ترجمة: أ . نوره الدوسري
سلوكيات الأطفال وكيفية التعامل معها في المنزل
غالبًا ما يواجه الأهل صعوبة في التعامل مع أطفالهم في المنزل، لاسيما عندما لا يفهمون سبب انخراط أطفالهم في سلوكيات صعبة أو متكررة مثل عض الذات، أو ضرب الرأس، أو رمي الأشياء، أو نوبات الغضب، أو كسر الأشياء، وغيرها من التصرفات الشديدة. في بعض الأحيان، قد تبدأ هذه السلوكيات من نوبات صغيرة لتتطور لاحقًا إلى انفجارات أكبر وأكثر حدة.
يُعرف السلوك الصعب بأنه سلوك ذو شدة أو تكرار أو مدة زمنية تجعل سلامة الطفل أو الآخرين في خطر جسدي كبير، أو سلوك من المحتمل أن يحد بشدة من استخدام الطفل للمرافق العادية في المجتمع أو يمنع الوصول إليها.
لقد ناقشنا مسبقًا في مقالاتنا السابقة أن هناك أربع وظائف رئيسية للسلوكيات الصعبة. وفي هذه المقالة، سنركز على إحدى هذه الوظائف، وهي الوصول إلى الأشياء الملموسة، والتي تعتبر شكلًا من أشكال التعزيز الإيجابي الاجتماعي الوسيط.
ما المقصود بـ “الوصول إلى الأشياء الملموسة”؟
الأشياء الملموسة هي أي شيء يمكن للطفل لمسه أو الشعور به، مثل الألعاب، الطعام، العناق، الدغدغة، الحرارة، اللعب في ساحة اللعب، وغيرها. في كثير من الأحيان، تؤدي السلوكيات الصعبة إلى حصول الطفل على شيء من شخص آخر، سواء كان ذلك للحصول على لعبة، طعام مفضل، أو أي نشاط ممتع.
لذلك، من الضروري أن يعرف الأهل استراتيجيات عملية يمكن تنفيذها في المنزل للتعامل مع هذه المشكلة بطريقة صحيحة وفعّالة.
التدريب على التواصل الوظيفي (Functional Communication Training – FCT)
أحد أهم المفاتيح للتعامل مع السلوكيات الصعبة هو تعليم الطفل كيفية التعبير عن رغباته بالكلام كبديل للسلوكيات الصعبة. غالبية الأطفال الذين يظهرون هذه السلوكيات لا يمتلكون المهارات اللازمة للتواصل مع الآخرين وطلب ما يريدون بشكل مناسب.
بالنسبة للأطفال غير الناطقين، يمكن تعليمهم استخدام لغة الإشارة، أو استخدام الصور للتواصل عبر نظام تبادل الصور (PECS)، أو استخدام الأجهزة المساعدة مثل الآيباد. من المهم التعاون مع فريق العلاج الخاص بالطفل لتحديد الطريقة الأنسب لتعليم الطفل كيفية التعبير عن طلباته بطريقة تناسب احتياجاته ومستوى مهاراته.
خلق مواقف تعليمية في المنزل
من الخطأ الشائع بين الأهل أن يسمحوا للطفل بالوصول إلى جميع الأشياء المفضلة له مباشرة لتجنب السلوكيات الصعبة. هذه الطريقة تمنع الطفل من تعلم مهارات التواصل الصحيحة، وتجعل من الصعب معرفة ما يرغب فيه الطفل عند وجوده في بيئة مختلفة أو في المجتمع.
لذلك، يُنصح بتخصيص وقت يومي قصير (10-15 دقيقة) لخلق مواقف تعليمية في المنزل تسمح للطفل بطلب الألعاب أو الأنشطة المفضلة لديه. خلال هذا الوقت، يمكن التفاعل مع الطفل، مثل اللعب معه، أو مساعدته في إكمال أحجية، أو اللعب سوية باستخدام الآيباد كمثال على أداة مفضلة يحبها معظم الأطفال لمشاهدة الفيديوهات أو ممارسة الألعاب.
على سبيل المثال، إذا أراد الطفل الاستماع ومشاهدة أغاني الأطفال على الآيباد، يمكنك أثناء تشغيل الأغنية إيقافها مؤقتًا وتحفيز الطفل لفظيًا ليقول “شغلها”. بعد أن يقوم الطفل بطلبه، يتم مدحه بشكل واضح وكبير، ثم يتم تشغيل الأغنية فورًا. هذه الطريقة تُعلم الطفل أن استخدام الكلمات الصحيحة يمكنه من الوصول إلى النشاط أو اللعبة التي يريدها. تدريجيًا، يجب تقليل مستوى التوجيه أو التلميح للطفل حتى يتمكن من الطلب بشكل مستقل.
من المهم جدًا تقديم التعزيز خلال 0-3 ثوانٍ بعد استجابة الطفل، مع تسمية السلوك الذي يتم تعزيزه (مثل: “أحسنت، قلت ‘شغلها'”)، لكي يفهم الطفل أن استخدام كلماته هو الطريقة الصحيحة للوصول إلى ما يريد. يمكن أيضًا استخدام تغير نبرة الصوت وتعبيرات الوجه لتوضيح الاستجابة الصحيحة، وإظهار فرحة مبالغ فيها عند استخدام الطفل لكلماته، الأمر الذي يساعده على تمييز السلوك المطلوب.
طريقة أخرى لتعليم الطفل طلب الأشياء هي وضع الألعاب والأنشطة المفضلة خارج متناول اليد لكن ضمن الرؤية. هذا يحفز الطفل على طلبها أثناء التوجيه اللفظي منك، ثم يتم تقليل التوجيه تدريجيًا وتعزيز أي طلب مستقل ومناسب بشكل كبير.
أثناء حدوث السلوكيات الصعبة
إذا حدث السلوك الصعب (مثل نوبة غضب شديدة) رغم جهودك في خلق المواقف التعليمية، يجب الابتعاد عن التفاعل المباشر مع الطفل، على سبيل المثال، إيقاف الأغنية وإبعاد الآيباد عن الطفل. لا يُسمح للطفل بالوصول إلى الشيء المفضل، مع إبقائه ضمن الرؤية خارج المتناول.
من المهم الحفاظ على هدوء الأهل وعدم التفاعل مع الطفل، مع البقاء قريبًا بما يكفي لضمان سلامته. يمكن الاستعانة بشخص آخر في الغرفة للتظاهر بالانشغال، مثل التحدث أو العمل، لتجنب الانتباه للطفل. كما يُنصح بتفريغ الغرفة من الألعاب أو الأشياء التي قد تؤذي الطفل أو الأهل. بعد ذلك، يجب الانتظار حتى يهدأ الطفل، ومن ثم السماح له بعد مرور عدة دقائق (مثل 1-5 دقائق) بإعادة الطلب باستخدام الكلمات أو الإيماءات المناسبة.
الفاصل الزمني بين انتهاء السلوك الصعب وبدء التوجيه مهم جدًا، لأنه يضمن هدوء الطفل الكامل ويقلل من احتمالية العودة إلى السلوك الصعب، مما يزيد فرص الحصول على استجابة إيجابية وناجحة.
الاستمرارية والتدريب العائلي
أثناء التعامل مع السلوكيات الصعبة في المنزل، يجب الاستمرار في طلب استخدام الكلمات أو تعليم الطفل استخدام الإيماءات، مثل الإشارة أو لمس الشيء الذي يريد. كما يجب أن يتعلم جميع أفراد الأسرة كيفية التعامل مع الطفل لتعزيز الاتساق في التعامل مع السلوكيات.
الاستمرارية أمر حاسم، لأن أي اختلاف في طريقة تعامل شخص ما مع الطفل قد يؤدي إلى تشويش الطفل أو تعزيز السلوكيات غير المرغوبة.
خاتمة
التعامل مع السلوكيات الصعبة للأطفال يتطلب صبرًا، واتباع أساليب تعليمية منظمة، وتعزيز مهارات التواصل الوظيفي. تعليم الطفل كيفية التعبير عن طلباته بالكلمات أو الإيماءات، وخلق مواقف تعليمية مدروسة، والتعامل بهدوء أثناء النوبات، كلها خطوات مهمة لضمان نجاح العملية التربوية.
الاستراتيجيات المذكورة لا تساعد فقط في تخفيف السلوكيات الصعبة، بل تساهم أيضًا في تطوير مهارات التواصل، وتحسين الاستقلالية، وتعزيز الثقة بالنفس لدى الطفل. التعاون مع الفريق العلاجي والمشاركة الفعالة لأفراد الأسرة كلها عناصر ضرورية لإنجاح التعلم وتطوير سلوكيات الطفل بطريقة إيجابية ومستدامة.
الكلمات الرئيسية والمبادئ العملية:
- خلق فرص تعليمية قصيرة ومحددة يوميًا
- تعزيز الطلب بالكلمات أو الإيماءات المناسبة
- استخدام التوجيه التدريجي مع التلاشي التدريجي للمساعدة
- تعزيز الاستجابات الصحيحة مباشرة بعد حدوثها
- الحفاظ على هدوء الأهل أثناء السلوكيات الصعبة
- الاتساق بين جميع أفراد الأسرة
المرجع
The 4 Functions of Behavior series: Access to Tangibles
https://www.caymanaba.com/blog/2020/9/2/the-4-functions-of-behavior-series-access-to-tangibles





