الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الصمت الانتقائي (Selective Mutism)


ترجمة :أ. نوره الدوسري

 

يشير الصمت الانتقائي إلى حالة نفسية تؤدي فيها بعض المواقف الاجتماعية إلى شعور شديد بالخوف أو القلق، مما يجعل التحدث صعبًا أو مستحيلاً. يُعد هذا الاضطراب من اضطرابات القلق، وغالبًا ما يبدأ في مرحلة الطفولة، إلا أن آثاره قد تستمر مدى الحياة. ويساعد التعرف المبكر على الحالة وعلاجها في تحسين المآل العام بشكل ملحوظ، خصوصًا عند الأطفال في سن مبكرة.

نظرة عامة

ما هو الصمت الانتقائي؟

الصمت الانتقائي هو حالة صحية نفسية يعجز فيها الشخص عن الكلام في مواقف اجتماعية معينة بسبب الخوف أو القلق، مع قدرته الكاملة على التحدث بطلاقة في مواقف أخرى يشعر فيها بالأمان والراحة. يظهر هذا الاضطراب غالبًا لدى الأطفال الصغار، لكنه قد يؤثر أيضًا في المراهقين والبالغين.

هذه الحالة ليست مجرد خجل أو حياء أو تحفظ اجتماعي؛ بل تُصنَّف كاضطراب قلق. وقد تتداخل مع اضطرابات قلق أخرى، كما قد تترك آثارًا طويلة الأمد إذا لم تُشخَّص وتُعالَج بشكل مناسب.

ما مدى شيوع الصمت الانتقائي؟

الصمت الانتقائي نادر نسبيًا، إذ يؤثر في أقل من 1% من السكان عبر جميع الفئات العمرية. يبدأ عادةً في الطفولة المبكرة، غالبًا في عمر يقارب خمس سنوات، ويظهر بوضوح عند التحاق الطفل بالحضانة أو الروضة أو المدرسة. ورغم أنه أقل شيوعًا لدى المراهقين والبالغين، فإنه يظل ممكن الحدوث.

تشير بعض الدراسات إلى أن الصمت الانتقائي أكثر شيوعًا لدى الإناث بمعدل يقارب الضعف مقارنة بالذكور، إلا أن هذا قد يكون متأثرًا بتحيزات اجتماعية أو توقعات نمطية حول مستوى الكلام بين الجنسين، وما زالت الحاجة قائمة لمزيد من الأبحاث لتأكيد ذلك.

الأعراض والأسباب

ما هي أعراض الصمت الانتقائي؟

تعني كلمة “انتقائي” في اسم الحالة أن الصمت يحدث في مواقف محددة فقط، وليس خيارًا إراديًا أو تعمدًا لعدم الكلام. فالشخص المصاب بالصمت الانتقائي يستطيع التحدث بشكل طبيعي في البيئات التي يشعر فيها بالراحة، لكنه يجد صعوبة كبيرة أو عجزًا تامًا عن التحدث في المواقف التي تثير لديه القلق.

وقد تظهر الأعراض بأشكال مختلفة، من بينها:

العجز الكلي أو شبه الكلي عن التواصل

وقد يتجلى ذلك في:

  • الشعور بالعجز عن الكلام نتيجة الإحساس بالشلل أو التجمّد بسبب الخوف.

  • وضعية جسدية متصلبة أو توتر شديد مع صعوبة الحركة.

  • تعبير وجه فارغ أو ما يشبه “التحديق”.

  • تجنب التواصل البصري.

  • الانسحاب من التفاعلات الاجتماعية أو عدم المشاركة فيها.

  • عدم طلب الاحتياجات الأساسية (مثل عدم طلب الذهاب إلى دورة المياه في المدرسة).

  • نوبات غضب أو سلوكيات مزعجة بهدف تجنب التحدث.

 

التواصل غير اللفظي

  • استخدام أصوات بسيطة مثل “نعم” أو “لا” دون كلمات.

  • الاعتماد على الإشارة أو الكتابة بدلًا من الكلام.

  • استخدام تعابير الوجه أو الإيماءات أو الإيماء بالرأس بدلًا من الحديث.

التواصل المحدود أو الضعيف

  • بطء في الاستجابة.

  • استخدام كلمات مفردة أو جمل قصيرة جدًا.

  • الهمس أو التلعثم.

  • تغيير نبرة الصوت أو التحدث بنبرة غير طبيعية.

ما أسباب الصمت الانتقائي؟

لا يعرف الخبراء سببًا واحدًا مباشرًا للصمت الانتقائي، لكنهم يرجحون تداخل عدة عوامل، من بينها:

اضطرابات نفسية أخرى

يرتبط الصمت الانتقائي بشكل وثيق باضطرابات القلق، خاصة:

  • اضطراب القلق الاجتماعي (يُقدَّر أن 75% إلى 100% من المصابين بالصمت الانتقائي يعانون منه).

  • الرهاب بأنواعه.

  • اضطرابات قلق أخرى.

  • اضطراب طيف التوحد.

  • قلق الانفصال.

  • اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

العوامل الوراثية والتاريخ العائلي

تميل اضطرابات القلق إلى الظهور داخل العائلات. ويكون الأشخاص المصابون بالصمت الانتقائي أكثر عرضة لوجود قريب من الدرجة الأولى يعاني من نفس الحالة أو من اضطراب قلق آخر.

اضطرابات التواصل

قد يتطور الصمت الانتقائي لدى بعض الأطفال نتيجة القلق المرتبط بطريقة نطقهم أو فهمهم للكلام، مثل اضطرابات المعالجة السمعية أو صعوبات التعلم. كما قد يظهر لدى الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النطق كالتأتأة.

الظروف الاجتماعية

تشمل العوامل الاجتماعية التي قد تزيد خطر الإصابة:

  • التعرض للتنمر.

  • المرور بتجارب صادمة أو إساءة.

  • المشكلات الأسرية.

  • الانتقال إلى بلد جديد بلغة مختلفة.

التشخيص والفحوصات

كيف يتم تشخيص الصمت الانتقائي؟

يُشخَّص الصمت الانتقائي عادةً على يد اختصاصي صحة نفسية مثل الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي. وقد يشارك أخصائيو علاج النطق في استبعاد اضطرابات أخرى.

يعتمد التشخيص على تقييم السلوكيات والأعراض، واستخدام استبيانات ومعايير تشخيصية. ويشترط الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) تحقق خمسة معايير أساسية، من أهمها استمرار عدم الكلام في مواقف اجتماعية معينة لأكثر من شهر، وتأثير ذلك على الأداء الاجتماعي أو الأكاديمي، وعدم وجود سبب لغوي أو اضطراب آخر يفسر الحالة.

العلاج وإدارة الحالة

كيف يُعالج الصمت الانتقائي؟ وهل له علاج شافٍ؟

يمكن للعلاج أن يقلل من شدة وتكرار الأعراض، وقد تختفي الأعراض تمامًا لدى بعض الأطفال عند التشخيص والعلاج المبكر.

تشمل أساليب العلاج الأكثر شيوعًا:

العلاج النفسي

يُعد العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الخيار الأول والأكثر فعالية. يساعد هذا العلاج على فهم القلق وإدارته وتعديل السلوكيات المرتبطة به. ويُنصح بإشراك الوالدين أو مقدمي الرعاية في علاج الأطفال.

علاج النطق

يساعد علاج النطق في الحالات التي يترافق فيها الصمت الانتقائي مع اضطرابات كلامية أو لغوية.

الأدوية

قد تُستخدم الأدوية، خاصة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، لعلاج القلق المصاحب للصمت الانتقائي، خصوصًا إذا لم يكن العلاج النفسي وحده كافيًا.



التوقعات والمآل

ما المتوقع على المدى الطويل؟

قد يؤثر الصمت الانتقائي على التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية لدى الأطفال، وعلى العلاقات والعمل لدى البالغين. ومع ذلك، فإن التوقعات العامة جيدة، خاصة عند التدخل المبكر.

في كثير من الحالات، تخف الأعراض مع التقدم في العمر، وقد تتحول إلى مظاهر قلق اجتماعي بدلاً من صمت كامل.

الوقاية

لا توجد طريقة مؤكدة للوقاية من الصمت الانتقائي، نظرًا لعدم وضوح أسبابه الدقيقة. ومع ذلك، فإن التعرف المبكر والدعم النفسي يقللان من تأثيره.

التعايش مع الصمت الانتقائي

كيف يمكن مساعدة الطفل المصاب؟

  • توفير بيئة آمنة وداعمة.

  • عدم الضغط أو التعجيل بالكلام.

  • تشجيع وسائل التواصل التدريجية.

  • التحلي بالصبر.

  • تعزيز أي محاولة للتواصل.

  • تجنب العقاب أو اللوم.



أسئلة شائعة

ما محفزات الصمت الانتقائي؟

تشمل المحفزات الشائعة:

  • الأماكن المزدحمة أو الصاخبة.

  • التعامل مع غرباء.

  • المواقف الجديدة.

  • أماكن مرتبطة بتجارب سلبية سابقة.

هل الصمت الانتقائي شكل من أشكال التوحد؟

لا، الصمت الانتقائي واضطراب طيف التوحد حالتان منفصلتان، رغم إمكانية تزامنهما لدى بعض الأفراد.

خلاصة
الصمت الانتقائي اضطراب قلق حقيقي وليس خيارًا إراديًا. ومع الفهم الصحيح والدعم والعلاج المناسب، يمكن للأطفال والبالغين المصابين به أن يحققوا تحسنًا كبيرًا في جودة حياتهم وتواصلهم الاجتماعي.

المرجع

Selective Mutism

https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/selective-mutism