ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
في عالم اليوم المتنوع والمتعدد الثقافات، أصبح من الضروري للمختصين في تحليل السلوك التطبيقي (ABA) أن يكونوا مستجيبين ثقافيًا. يشير مفهوم الاستجابة الثقافية إلى القدرة على التعرف على الخلفيات الثقافية الفريدة للعملاء واحترامها وفهم تجاربهم الفردية. بمعنى آخر، يجب على الأخصائيين تقدير التنوع الغني الموجود في المجتمع، وفهم كيف تؤثر الخلفيات الثقافية على سلوك الفرد. من خلال ممارسة الاستجابة الثقافية، يكون الأخصائيون قادرين على تقديم تدخلات أكثر فعالية وملاءمة، تأخذ في الاعتبار السياق الثقافي للفرد، وتزيد من احتمال نجاح التدخلات السلوكية.
من المهم أن نتذكر أن تحليل السلوك لا يحدث في فراغ؛ فالأفراد يحملون تاريخ تعلم غني ومتنوع، يتأثر بعوامل ثقافية واجتماعية متعددة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من نموذج ADDRESSING الذي وضعته الدكتورة باميلا هايز في أواخر التسعينيات، كأداة منهجية تساعد الأخصائيين على فهم هذه الاختلافات الفردية وتطبيقها عمليًا في جلسات تحليل السلوك.
ماذا يعني أن تكون مستجيبًا ثقافيًا؟
كون الأخصائي مستجيبًا ثقافيًا يعني أكثر من مجرد التعرف على التنوع الثقافي؛ إنه يعني فهم كيف تؤثر القيم والعادات والمعتقدات الثقافية على السلوكيات والاختيارات اليومية للفرد. فعلى سبيل المثال، طريقة تواصل الطفل مع الآخرين، أو أسلوب تعبيره عن المشاعر، أو حتى استجابته للتعزيز، قد تتأثر بعوامل ثقافية عميقة الجذور.
الاستجابة الثقافية تتيح للأخصائيين تصميم تدخلات تتماشى مع خلفية العميل الثقافية، مما يجعل التدخلات أكثر واقعية وذات صلة بحياته اليومية، ويساعد في تحسين النتائج النهائية للتدخل السلوكي.
نموذج ADDRESSING
يعد نموذج ADDRESSING أداة منهجية لتعزيز الوعي بالاختلافات الفردية والهويات الشخصية، وخاصة في سياق الاستجابة الثقافية. يركز النموذج على أن تاريخ تعلم الفرد، بما في ذلك الخبرات الثقافية والاجتماعية، يؤثر بشكل كبير على سلوكياته وتفضيلاته ورؤيته للعالم.
يتكون نموذج ADDRESSING من العناصر التالية:
A – العمر والتأثيرات الجيلية: كيف تؤثر الجيل الذي ينتمي إليه الفرد وتجارب الحياة المرتبطة بالعمر على سلوكياته.
D – الإعاقات المكتسبة أو التطورية: تأثير القدرات البدنية أو العقلية على التعلم والسلوك.
D – حالة الإعاقة: الاعتبارات الخاصة بالحالات الفردية للأشخاص ذوي الإعاقات.
R – الدين والروحانية: كيف تشكل المعتقدات الدينية والقيم الروحية السلوك والتواصل.
E – الهوية العرقية والإثنية: تأثير الانتماء العرقي والثقافي على القيم والممارسات اليومية.
S – الوضع الاجتماعي والاقتصادي: الوصول إلى الموارد والفرص وتأثيرها على التعلم والسلوك.
S – التوجه الجنسي: فهم كيف يمكن أن يؤثر التوجه الجنسي على التجارب الاجتماعية والنفسية.
I – التراث الأصلي: تأثير الانتماء للثقافات الأصلية على السلوك والقيم.
N – الأصل الوطني: الاعتبارات المرتبطة بالهوية الوطنية والتجارب المرتبطة بها.
G – الجنس: تأثير الجنس على الخبرات الاجتماعية والسلوكية.
كل مكون من هذه المكونات يوفر للأخصائي رؤية أعمق للسياق الذي تشكل فيه السلوكيات. على سبيل المثال، معرفة الخلفية العرقية والثقافية للعميل تساعد على توقع الممارسات والقيم الثقافية التي قد تؤثر على استجاباته للتعزيز، وأسلوب التواصل، وطبيعة الأنشطة العلاجية المناسبة له.
التواضع الثقافي
جزء مهم من الاستجابة الثقافية في تحليل السلوك هو ممارسة التواضع الثقافي. يتطلب التواضع الثقافي من الأخصائي أن يكون منفتحًا ومستعدًا للتعلم من الآخرين، مع الاعتراف بالتحيزات والقيود الشخصية في فهم ثقافات مختلفة.
ممارسة التواضع الثقافي تساعد في خلق بيئة آمنة وشاملة يشعر فيها العملاء بالراحة لمشاركة تجاربهم ووجهات نظرهم، مما يعزز التواصل الفعّال ويزيد من تأثير التدخلات السلوكية.
أهمية الاستجابة الثقافية في تحليل السلوك
تعتبر الاستجابة الثقافية أمرًا بالغ الأهمية لعدة أسباب:
فهم أفضل للفرد ضمن سياقه الثقافي
كل ثقافة لها مجموعة من القيم والمعتقدات التي تؤثر على سلوك الفرد واستجابته للتدخلات. من خلال فهم هذا السياق، يمكن للأخصائي تصميم برامج تتناسب مع قيم العميل وتجربته الحياتية، مما يزيد من فعالية النتائج ويجعل التدخل أكثر ملاءمة لحياة العميل اليومية.
بناء الثقة والعلاقة بين الأخصائي والأسرة
الاستجابة الثقافية تعزز الثقة بين الأخصائي والأسرة. عندما يشعر الأفراد بأن ثقافتهم وتجاربهم تحظى بالاحترام والفهم، يكونون أكثر استعدادًا للمشاركة والتعاون، مما يسهل تطبيق التوصيات وتحقيق التقدم في السلوك.
تقليل الفجوات القائمة في خدمات ABA وكسر الحواجز
قد تواجه بعض المجموعات الثقافية تحديات خاصة في الوصول إلى خدمات ABA، أو قد يكون لديهم توقعات مختلفة حول العلاج. الاستجابة الثقافية تساعد على تكييف التدخلات لتلبية احتياجات هذه المجموعات، مما يضمن حصول الجميع على رعاية عالية الجودة ومتساوية.
الالتزام الأخلاقي
تتطلب المعايير الأخلاقية للأخصائيين في ABA احترام التنوع الثقافي ومراعاته في ممارسة المهنة. وفقًا لمدونة الأخلاقيات الخاصة بـ BACB (2022)، يجب على الأخصائيين أن يكونوا على دراية بالاختلافات الثقافية ويحترموها. وستُضاف قريبًا متطلبات تعليمية مستمرة في مجال التنوع والمساواة والشمول (DEI)، لضمان التزام الأخصائيين بأعلى المعايير الأخلاقية والمهنية.
تطبيق الاستجابة الثقافية عمليًا
يمكن للأخصائيين تعزيز الاستجابة الثقافية عبر:
جمع معلومات دقيقة عن الخلفية الثقافية للعميل: من خلال المقابلات مع الأسرة والملاحظة المباشرة.
مراعاة تفضيلات العميل الثقافية عند اختيار التعزيزات: اختيار أنشطة أو مكافآت تتماشى مع ثقافة العميل وقيم أسرته.
تكييف أساليب التواصل: استخدام اللغة، والإشارات، والرموز التي تكون مفهومة وملائمة ثقافيًا.
تدريب الفرق المساعدة والأهالي: لضمان توافق جميع الأطراف مع النهج الثقافي المتوافق.
على سبيل المثال، إذا كان العميل ينتمي إلى مجتمع يقدّر التعاون العائلي الجماعي، يمكن تصميم أنشطة تعليمية تشجع مشاركة أفراد الأسرة، بدلاً من الأنشطة الفردية فقط، مما يعزز التفاعل والتحفيز.
فوائد الاستجابة الثقافية
الاستجابة الثقافية لا تزيد من فعالية التدخلات فحسب، بل تخلق أيضًا بيئة تعليمية وشخصية إيجابية:
تحسين جودة الرعاية والتواصل: الفهم الثقافي يعزز التفاعل بين الأخصائي والعميل، ويزيد من معدل نجاح التدخلات.
تعزيز المشاركة الأسرية: احترام الثقافة يزيد من استعداد الأسرة للمشاركة بفعالية في البرامج العلاجية.
تخفيف التحيزات وعدم المساواة: الاستجابة الثقافية تقلل من الفجوات بين مجموعات مختلفة وتوفر فرصًا متساوية للتعلم.
تعزيز النمو الشخصي للأخصائي: يزيد الوعي بالتحيزات والقيود الشخصية ويحفز التعلم المستمر والتطوير المهني.
الخلاصة
الاستجابة الثقافية ليست مجرد خيار في تحليل السلوك التطبيقي، بل هي ضرورة لضمان تقديم تدخلات فعّالة وشاملة. من خلال فهم السياق الثقافي للعميل، وممارسة التواضع الثقافي، يمكن للأخصائيين بناء علاقات ثقة مع الأسر، تقليل الفجوات في الخدمات، وتحقيق نتائج أفضل. كما أنها تساهم في الالتزام بالمعايير الأخلاقية وتضمن مراعاة تنوع المجتمع في الممارسات المهنية.
إن جميع الأخصائيين في مجال تحليل السلوك مسؤولون عن تقدير واحترام التنوع الثقافي، ودمج هذا الفهم في كل جانب من جوانب تدخلاتهم، لضمان تقديم رعاية شاملة وفعّالة لكل عميل، بغض النظر عن خلفيته الثقافية.
المرجع
Significance of Cultural Responsiveness in Behavior Analysis
https://www.motivity.net/blog/the-importance-of-cultural-responsiveness-in-behaviour-analysis





