ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
يُعدّ مفهوم الاختلاف العصبي (Neurodivergent) من المفاهيم الحديثة نسبيًا التي بدأت تكتسب انتشارًا واسعًا في المجالات الطبية، التربوية، والاجتماعية. لا يُستخدم هذا المصطلح بوصفه تشخيصًا طبيًا، بل كطريقة شاملة ومحترمة لوصف الأشخاص الذين تعمل أدمغتهم أو تتطور بطريقة مختلفة عن المتوسط الشائع. يهدف هذا المفهوم إلى الابتعاد عن تصنيفات مثل “طبيعي” و“غير طبيعي”، والتركيز بدلًا من ذلك على فكرة أن التنوع في طريقة عمل الدماغ هو جزء طبيعي من التنوع البشري.
تسعى هذه المقالة إلى تقديم شرح متكامل لمفهوم الاختلاف العصبي، أسبابه المحتملة، علاقته بالإعاقة، أهم الحالات المرتبطة به، إضافة إلى كيفية دعم الأفراد ذوي الاختلاف العصبي وتمكينهم من النجاح في الحياة الشخصية والمهنية.
أولًا: ما المقصود بالاختلاف العصبي؟
يشير مصطلح الاختلاف العصبي إلى الأشخاص الذين تختلف طريقة عمل أدمغتهم عن النمط العصبي الشائع، والذي يُعرف بـ النمط العصبي المعتاد (Neurotypical). هذا الاختلاف قد يؤثر على طريقة التفكير، التعلم، التواصل، معالجة المعلومات، أو التفاعل الاجتماعي.
لا يعني هذا الاختلاف بالضرورة وجود خلل أو مرض، بل يشير إلى أن لدى الشخص نقاط قوة وتحديات تختلف عن غيره. فبينما قد يواجه بعض الأفراد صعوبة في التواصل الاجتماعي أو التركيز، قد يتمتعون في المقابل بقدرات مميزة مثل قوة الذاكرة، التفكير الإبداعي، القدرة على تخيل الأشكال ثلاثية الأبعاد، أو حل المشكلات المعقدة بطرق غير تقليدية.
ثانيًا: لماذا ظهر مصطلح الاختلاف العصبي؟
ظهر مفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity) عام 1998 على يد عالمة الاجتماع الأسترالية جودي سينغر، التي أرادت تسليط الضوء على حقيقة أن كل دماغ بشري يتطور بطريقة فريدة. وكما لا تتشابه بصمات الأصابع بين شخصين، لا يوجد دماغان متماثلان تمامًا، حتى بين التوائم المتطابقة.
في الطب التقليدي، يُستخدم مفهوم “الطبيعي” لتحديد ما إذا كان الشخص سليمًا أم مريضًا. غير أن هذا النهج قد يكون محدودًا عند التعامل مع الدماغ البشري، نظرًا لتعقيده الكبير وتنوع طرق عمله. لذلك، جاء مفهوم الاختلاف العصبي ليؤكد أن الاختلاف لا يعني النقص، بل قد يكون مصدرًا للقوة والتميز.
ثالثًا: الاختلاف العصبي بين القدرات والتحديات
لفهم هذا المفهوم بشكل أوضح، يمكن مقارنة شخصين يمتلكان موهبة في الرسم:
الشخص الأول: طفل يبلغ من العمر 12 عامًا مصاب باضطراب طيف التوحد، يواجه صعوبات في التفاعل الاجتماعي ويلتزم بروتين يومي صارم، لكنه يتمتع بموهبة فطرية عالية في الرسم دون تدريب.
الشخص الثاني: شخص بالغ نمطه العصبي معتاد، تعلّم الرسم في سن متأخرة واكتسب مهارته عبر التدريب والممارسة، ويتمتع بمهارات اجتماعية عالية.
في هذه الحالة، لا يُنظر إلى الشخص البالغ على أنه “ناقص” لأنه لا يرسم بجودة الطفل، كما لا ينبغي اعتبار الطفل “معيبًا” بسبب اختلافه العصبي. يوضح هذا المثال كيف أن الاختلاف العصبي يعكس طرقًا متنوعة للتطور والقدرة.
رابعًا: هل يُعدّ الاختلاف العصبي إعاقة؟
قد يكون الاختلاف العصبي إعاقة في بعض السياقات، خصوصًا عندما تكون البيئة أو الأنظمة المحيطة غير مهيأة لاستيعاب الاختلاف. فالكثير من التحديات التي يواجهها الأفراد ذوو الاختلاف العصبي لا تعود إلى قدراتهم، بل إلى عدم توفر التسهيلات المناسبة.
أمثلة على ذلك:
قد يواجه بعض الأشخاص صعوبة في مقابلات العمل التقليدية بسبب التفاعل الاجتماعي، لكنهم قد يبرعون إذا تم تقييمهم من خلال اختبارات مهارية.
قد يعاني آخرون من الضوضاء في بيئات العمل المفتوحة، لكن استخدام سماعات عازلة للصوت قد يمكّنهم من التركيز والإنتاجية العالية.
هذه التسهيلات تُعرف بـ التكييفات أو accommodations، وهي وسائل تساعد الشخص على تجاوز التحديات دون التقليل من كرامته أو قدراته.
خامسًا: لماذا نستخدم مصطلح الاختلاف العصبي؟
يرى بعض المنتقدين أن التركيز على الاختلاف قد يُقلل من أهمية العلاج أو الدعم الطبي لبعض الحالات. إلا أن الأبحاث تشير إلى أن فهم الفرد لاختلافه العصبي لا يؤدي إلى إنكار التحديات، بل يساعده على التكيف معها واستثمار نقاط قوته.
كما تُظهر الدراسات أن اللغة المستخدمة في وصف الأشخاص تؤثر بشكل مباشر على صحتهم النفسية وطموحاتهم. فالشخص الذي يفهم نفسه على أنه “مختلف” لا “معيب” يكون أكثر تقبلًا لذاته وأكثر قدرة على السعي للنجاح.
سادسًا: الحالات المرتبطة بالاختلاف العصبي
على الرغم من أن الاختلاف العصبي ليس تشخيصًا طبيًا، إلا أن العديد من الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم ذوو اختلاف عصبي قد يكون لديهم أحد الحالات التالية:
اضطراب طيف التوحد (ASD).
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).
عسر القراءة (Dyslexia).
عسر الحساب (Dyscalculia).
عسر الكتابة (Dysgraphia).
اضطراب التناسق الحركي (Dyspraxia).
متلازمة توريت.
اضطرابات المعالجة الحسية.
القلق الاجتماعي.
بعض الاضطرابات النفسية مثل الاضطراب ثنائي القطب والوسواس القهري.
متلازمات وراثية مثل متلازمة داون، ويليامز، وبرادر-ويلي.
ومن المهم التأكيد على أن ليس كل من لديه هذه الحالات يختار تعريف نفسه على أنه ذو اختلاف عصبي.
سابعًا: كيف يمكن معرفة ما إذا كان الشخص ذا اختلاف عصبي؟
الخطوة الأولى هي استشارة مقدم الرعاية الصحية، الذي قد يُحيل الشخص إلى مختص لتقييم حالته. يساعد التشخيص – إن وُجد – على فهم طبيعة الاختلاف والحصول على الدعم المناسب، سواء كان علاجيًا أو تعليميًا أو مهنيًا.
ثامنًا: هل يمكن علاج أو الوقاية من الاختلاف العصبي؟
الاختلاف العصبي ليس مرضًا يمكن الوقاية منه أو علاجه، لأنه يعكس الطريقة الفريدة التي يتطور بها الدماغ. ومع ذلك، يمكن إدارة بعض الحالات المرتبطة به من خلال العلاج السلوكي، البرامج التعليمية، أو الأدوية عند الحاجة.
تهدف هذه التدخلات إلى تحسين جودة الحياة، وتعزيز نقاط القوة، وتقليل تأثير التحديات على الحياة اليومية.
تاسعًا: هل يمكن للأشخاص ذوي الاختلاف العصبي تحقيق النجاح؟
نعم، وبشكل لافت. هناك العديد من الشخصيات المعروفة عالميًا التي تُعد مثالًا على النجاح رغم – أو بسبب – اختلافها العصبي، مثل:
العالِمة Temple Grandin.
الممثل العالمي Anthony Hopkins.
المغنية Florence Welch.
البطلة الأولمبية Simone Biles.
الناشطة البيئية Greta Thunberg.
كما يعتقد الخبراء أن شخصيات تاريخية بارزة مثل ألبرت أينشتاين، ماري كوري، نيكولا تسلا، وفنسنت فان غوخ كانوا ذوي اختلاف عصبي.
عاشرًا: كيف يمكن دعم الأشخاص ذوي الاختلاف العصبي؟
لدعم الأفراد ذوي الاختلاف العصبي، يُنصح بما يلي:
الاستماع باحترام وتفهّم.
استخدام أساليب تواصل تناسب احتياجاتهم، مثل التواصل الكتابي.
تجنب التصنيفات القيمية مثل “عالي الأداء” أو “منخفض الأداء”.
إدراك أن كل شخص مختلف، حتى لو كان لديه نفس التشخيص.
عدم افتراض العجز أو قلة الذكاء.
توفير التسهيلات اللازمة بطريقة تحفظ كرامة الإنسان.
خاتمة
يُعدّ مفهوم الاختلاف العصبي خطوة مهمة نحو مجتمع أكثر شمولية وعدلًا. فهو يذكّرنا بأن التنوع في طريقة التفكير والتعلّم والتواصل ليس عيبًا، بل مصدر ثراء إنساني. وعندما نوفر بيئات مرنة وداعمة، يمكن للأشخاص ذوي الاختلاف العصبي أن يزدهروا، ويساهموا بقدراتهم الفريدة في بناء مجتمعات أكثر إبداعًا وإنسانية.
إن فهم الاختلاف العصبي لا يغيّر فقط نظرتنا للآخرين، بل يغيّر أيضًا نظرتنا لأنفسنا، ويمنحنا فرصة للاحتفاء بالتنوع بوصفه قوة لا ضعفًا.
المرجع
Neurodivergent
https://my.clevelandclinic.org/health/symptoms/23154-neurodivergent





