الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري 

مقدمة

يُعد العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف (Compassion-Focused ABA Therapy) أحد التوجهات الحديثة في مجال تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، حيث يجمع بين الأسس العلمية المبنية على الأدلة في تحليل السلوك، ومبادئ العلاج المرتكز على التعاطف (Compassion-Focused Therapy – CFT)، إضافة إلى نماذج الرعاية الإنسانية التي تضع كرامة الفرد ومشاعره في صميم العملية العلاجية. لا يُعتبر هذا النهج بديلاً عن تحليل السلوك التطبيقي، بل هو امتداد إنساني له، يهدف إلى جعل الجلسات العلاجية أكثر أمانًا نفسيًا، وأقل قسرية، وأكثر احترامًا لتجربة الفرد الذاتية.

ينطلق هذا النهج من قناعة أساسية مفادها أن تغيير السلوك المستدام لا يتحقق عبر الامتثال القسري أو الضغط، بل من خلال بناء علاقة علاجية قائمة على الثقة، والتعاطف، والتعاون. لذلك، يحرص العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف على أن تكون مشاعر الفرد واحتياجاته العاطفية جزءًا لا يتجزأ من الأهداف العلاجية، وليس مجرد متغيرات ثانوية.

نظرة عامة على العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف

أولًا: ثبات مبادئ تحليل السلوك التطبيقي

يحافظ العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف على المبادئ الجوهرية لتحليل السلوك التطبيقي، مثل التقييم السلوكي الوظيفي، وجمع البيانات، واستخدام التعزيز، وبناء المهارات، وتغيير السلوك بطريقة منهجية. إلا أن الاختلاف الجوهري يكمن في طريقة التطبيق والعدسة التي يتم من خلالها النظر إلى السلوك.

يتم التركيز على مساعدة الفرد على تعلم مهارات جديدة، وتقليل السلوكيات التي قد تكون مؤذية أو معيقة، وزيادة جودة الحياة بشكل عام، مع الأخذ بعين الاعتبار المشاعر والانفعالات المصاحبة للتعلم. في هذا السياق، يُقدَّم “الطلب” على أنه دعوة للتعلم وليس أمرًا، ويُمنح الفرد مساحة للاختيار والمشاركة الفعالة في الجلسة العلاجية.

يتم تبني هذا النهج بوصفه نهجًا إنسانيًا يضع الفرد في قلب العملية العلاجية، مع الالتزام الكامل بالأدوات العلمية لتحليل السلوك التطبيقي.

ثانيًا: التعاطف كقيمة موجهة للتدخلات العلاجية

يُعد التعاطف الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها جميع التدخلات في هذا النهج. حيث يتم تصميم وتنفيذ الخطط العلاجية بهدف واضح يتمثل في حماية كرامة الفرد، وتقليل الضغوط النفسية، وتعزيز الشعور بالأمان والثقة.

لا يقتصر التركيز على إيقاف السلوك غير المرغوب، بل يتم السعي إلى فهم الأسباب الكامنة وراءه، مثل القلق، أو صعوبة التواصل، أو الحساسية الحسية. ويُنظر إلى السلوك بوصفه وسيلة للتعبير، وليس مشكلة بحد ذاتها.

يعتمد المعالج على بناء علاقة قائمة على التعاطف والاحترام المتبادل، حيث يتم الإصغاء للفرد، وتقدير مشاعره، والتعامل معه كشريك في العملية العلاجية، لا كمُتلقٍ سلبي للتدخل.

ثالثًا: نهج متمركز حول الفرد ومراعي للخبرات الصادمة

يراعي العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف أن بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد قد تكون لديهم خبرات سابقة مع جلسات علاجية اتسمت بالقسر أو الضغط، مما أدى إلى ارتباط التعلم لديهم بمشاعر الخوف أو التوتر.

لذلك، يتم تكييف أساليب التعليم لتجنب إحداث ضغط غير ضروري، من خلال:

  • تقديم خيارات متعددة للفرد.

  • استخدام أسلوب التعاون بدل الإلزام.

  • الاعتماد على التلقين اللطيف والمتدرج.

  • احترام إشارات الرفض أو التوقف.

كما يتم تصميم التعزيز بحيث يكون محفزًا بطبيعته، ولا يُشعر الفرد بأنه أداة للسيطرة أو المقايضة. ويُراعى في ذلك الفروق الفردية والاحتياجات الحسية والانفعالية.

رابعًا: تنمية التعاطف مع الذات وتنظيم المشاعر

لا يقتصر هذا النهج على العمل مع الطفل فقط، بل يمتد ليشمل مقدمي الرعاية. حيث يتم دعم الأسر لفهم الاحتياجات العاطفية لأطفالهم، وليس التركيز فقط على الأهداف السلوكية.

وبالاستفادة من مبادئ العلاج المرتكز على التعاطف، يتم تعليم كل من الطفل ومقدمي الرعاية مهارات ملاحظة المشاعر الصعبة، والتعامل معها بلطف، وتطوير استراتيجيات فعالة لتنظيم القلق والإحباط.

يساهم هذا التوجه في بناء بيئة داعمة تعزز الاستقرار الانفعالي، وتدعم التقدم السلوكي على المدى الطويل.

خامسًا: التركيز على النتائج الشاملة وجودة الحياة

في العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف، لا يُقاس النجاح فقط بمدى إتقان المهارات أو انخفاض تكرار السلوكيات غير المرغوبة، بل يتم تقييم النتائج من منظور أشمل، يشمل:

  • شعور الفرد بالراحة والأمان.

  • ارتفاع مستوى الثقة بالنفس.

  • القدرة على المشاركة في الأنشطة ذات المعنى.

  • تحسن جودة الحياة اليومية.

وبذلك، تصبح الرفاهية النفسية جزءًا أساسيًا من مؤشرات النجاح العلاجية.

مقارنة بين العلاج المرتكز على التعاطف والعلاج المرتكز على الامتثال

 يتم التأكيد على أن المشاعر والانفعالات تُعد أساسًا لتشكيل أي ترسانة سلوكية. فالتغيير السلوكي الحقيقي والمستدام ينبع من احترام التجربة الإنسانية للفرد.

تظهر الفروقات بين النهجين بشكل واضح، حيث يتم احترام الاستقلالية في العلاج المرتكز على التعاطف في كل مرحلة، بينما يركز النهج المرتكز على الامتثال بشكل أساسي على إنجاز المهمة.

  • الهدف الأولي: رفاهية الفرد مقابل إنجاز المهمة.

  • قياس النجاح: الشعور بالراحة والاحترام مقابل مدة الامتثال دون احتجاج.

  • الاستجابة الانفعالية: دعم وتفهم مقابل تصعيد وانزعاج.

  • التركيز الأساسي: نهج متمركز حول الفرد مقابل نهج متمركز حول المهمة.

  • تنمية الدفاع عن الذات: معززة مقابل محدودة.

  • جمع البيانات: كيفية أداء السلوك مقابل حدوثه من عدمه.

  • أسلوب التعليم: دعوي وممتع مقابل آمِر ومسيطر.

  • التنفيذ: تعليم طبيعي مقابل تعليم مصطنع.

  • النتيجة العامة: بناء علاقة علاجية مقابل الالتزام الصارم بالبروتوكولات.

كيف يبدو العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف ؟

بناء علاقة دافئة مع الطفل

تبدأ الجلسة بانخراط المعالج مع الطفل في نشاط يفضله، مثل اللعب بالمكعبات أو الحديث عن موضوع محبب له. لا يوجد استعجال للانتقال إلى المهام التعليمية، حيث يُعد الشعور بالراحة والأمان أولوية أساسية.

الشرح التعاوني

يقوم المعالج بشرح النشاط بطريقة بسيطة وصادقة، مع تقديم خيارات للطفل، مثل اختيار الأداة أو وضعية الجلوس أو الموسيقى المصاحبة، مما يعزز الشعور بالتحكم والاستقلالية.

التدرج المنهجي

يتم استخدام مبدأ إزالة التحسس التدريجي، حيث يُقسم النشاط إلى خطوات صغيرة، مع احترام حق الطفل في التوقف أو الاستراحة في أي مرحلة.

التعزيز الطبيعي

يُستخدم التعزيز الذي يتماشى مع اهتمامات الطفل، مثل الثناء، أو التفاعل الإيجابي، أو الاستمرار في النشاط الممتع، بدل الاعتماد على معززات غير مرتبطة بالسياق.

الدعم الانفعالي

عند ظهور علامات القلق، يتوقف المعالج، ويُقر بالمشاعر، ويستخدم استراتيجيات تهدئة مناسبة، مما يعزز الشعور بالأمان النفسي.

ختام الجلسة

تنتهي الجلسة بنشاط إيجابي يعزز العلاقة، ليغادر الطفل وهو يشعر بالفخر والتقدير والاحترام، لا مجرد الامتثال.

خاتمة

يمثل العلاج السلوكي التطبيقي المرتكز على التعاطف تحولًا نوعيًا في طريقة تقديم خدمات تحليل السلوك التطبيقي، حيث يجمع بين الصرامة العلمية والإنسانية العميقة. ومن خلال هذا النهج، يصبح التعلم تجربة آمنة، داعمة، ومحترمة، تسهم في بناء إنسان واثق، قادر، ومتصالح مع ذاته.

 

المرجع 

What’s Compassion-Focused ABA Therapy

https://www.bhfield.com/resources/whats-compassion-focused-aba-therapy