ترجمة: أ. سما خالد
تمثل الاضطرابات النمائية الشاملة مجموعة من الاضطرابات العصبية النمائية التي تظهر خلال مراحل الطفولة المبكرة، وتؤثر في أنماط النمو المرتبطة بالتواصل، والتفاعل الاجتماعي، والسلوك، وتنظيم الاستجابات الحسية. لا يمكن النظر إلى هذه الاضطرابات على أنها مجرد تأخر نمائي عابر، بل تعكس اختلافًا نوعيًا في طريقة معالجة المعلومات، وفهم البيئة، وبناء العلاقات الاجتماعية. ومع الزيادة الملحوظة في معدلات التشخيص خلال العقود الأخيرة، أصبح من الضروري تبني فهم علمي متوازن يدمج بين المعرفة النظرية والتطبيقات العملية، ويؤكد على أهمية التدخل المبكر والتكامل بين التخصصات النفسية، التربوية، والسلوكية.
ظهر مصطلح الاضطرابات النمائية الشاملة في التصنيفات التشخيصية السابقة، وبالتحديد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية في إصداره الرابع، حيث كان يشير إلى مجموعة من الاضطرابات التي تتشارك في التأثير الواسع على مجالات النمو الأساسية. شمل هذا التصنيف اضطراب التوحد، ومتلازمة أسبرجر، واضطراب الطفولة التفككي، واضطراب ريت، إضافة إلى الاضطراب النمائي الشامل غير المحدد. ومع صدور الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي، تم دمج معظم هذه التشخيصات تحت مظلة واحدة هي اضطراب طيف التوحد، وذلك استنادًا إلى الأدلة البحثية التي أظهرت تداخلًا كبيرًا في السمات النمائية والأنماط السلوكية، مع اختلافات في الشدة ومستوى الدعم المطلوب.
تتسم الاضطرابات النمائية الشاملة، أو ما يُصنف حاليًا ضمن اضطراب طيف التوحد، بمجموعة من الخصائص النمائية التي تظهر بدرجات متفاوتة بين الأطفال المشخّصين. تشمل هذه الخصائص صعوبات في التواصل اللفظي وغير اللفظي، حيث قد يلاحظ تأخر في تطور اللغة المنطوقة، أو استخدام أنماط تواصل غير تقليدية، إلى جانب ضعف في مهارات التبادل الاجتماعي مثل التواصل البصري، وفهم الإشارات الاجتماعية، والاستجابة الانفعالية لمشاعر الآخرين. كما تظهر أنماط سلوكية متكررة أو مقيدة، تتجلى في التمسك بالروتين، أو تكرار الحركات، أو الاهتمام المفرط بموضوعات محددة. إضافة إلى ذلك، قد يعاني العديد من الأطفال المشخّصين من استجابات حسية غير نمطية، سواء من حيث فرط الحساسية أو انخفاضها تجاه الأصوات، أو الملامس، أو الإضاءة، أو الروائح، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على التكيف مع البيئات المختلفة.
ترتبط هذه الاضطرابات بتداخل معقد بين عوامل متعددة، حيث تشير الأدبيات العلمية إلى دور واضح للعوامل الوراثية، مع ارتفاع احتمالية التشخيص لدى الأسر التي يوجد فيها أكثر من فرد مشخّص باضطراب طيف التوحد. كما تلعب العوامل العصبية دورًا محوريًا، إذ أظهرت دراسات التصوير العصبي اختلافات في بنية ووظائف بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن التواصل الاجتماعي، والتنظيم التنفيذي، ومعالجة المعلومات الحسية. إلى جانب ذلك، تُعد بعض العوامل المرتبطة بفترة الحمل والولادة، مثل الولادة المبكرة أو التعرض لمضاعفات طبية، من العوامل التي قد تزيد من مستوى الخطورة، في حين لا تزال العوامل البيئية قيد البحث والنقاش العلمي، مع التأكيد على أن تأثيرها لا يكون بمعزل عن الاستعداد الجيني.
تُعد مرحلة الطفولة المبكرة من أكثر المراحل حساسية للتدخل، حيث تؤكد الدراسات أن السنوات الأولى من العمر تمثل نافذة زمنية ذهبية يمكن خلالها إحداث تغييرات جوهرية في مسار النمو. يسهم الكشف المبكر والتدخل المنظم في تعزيز مهارات التواصل، وتنمية السلوك التكيفي، وتقليل شدة السلوكيات المقيدة أو الصعبة، بما ينعكس إيجابًا على مستوى الاستقلالية وجودة الحياة في المراحل اللاحقة. يعتمد التقييم المبكر على مزيج من الملاحظات السريرية المنظمة، والمقاييس السلوكية المعيارية، وأدوات الفحص النمائي التي تساعد المختصين على بناء صورة شاملة لقدرات الأطفال واحتياجاتهم.
نظرًا للطبيعة الشمولية لهذه الاضطرابات، فإن التدخل الفعّال يتطلب مقاربة متعددة التخصصات، تقوم على التكامل وليس التجزئة. يُعد تحليل السلوك التطبيقي من أكثر النماذج المستندة إلى الأدلة استخدامًا، حيث يركز على تغيير السلوك من خلال تعزيز المهارات الوظيفية، ودعم السلوكيات التكيفية، والحد من السلوكيات التي تعيق التعلم أو التفاعل الاجتماعي، مع التأكيد على تعميم المهارات المكتسبة في البيئات الطبيعية. كما يلعب العلاج التخاطبي دورًا أساسيًا في دعم تطور اللغة والتواصل، سواء من خلال تحسين مهارات التفاعل اللفظي أو استخدام وسائل تواصل بديلة ومعززة عند الحاجة. ويُسهم العلاج الوظيفي في تحسين التكامل الحسي، وتنمية المهارات الحركية الدقيقة، وتعزيز قدرة الأطفال على التفاعل مع متطلبات البيئة اليومية بشكل أكثر فاعلية.
لا يقل الدعم الأسري أهمية عن التدخلات العلاجية المباشرة، إذ يُعد إشراك الأسرة في العملية العلاجية عنصرًا حاسمًا في نجاح التدخل واستمراريته. يتيح الإرشاد الأسري للأهل فهم طبيعة الاضطراب، واكتساب استراتيجيات عملية للتعامل مع السلوكيات اليومية، مما يعزز من تعميم المهارات المكتسبة خارج إطار الجلسات العلاجية، ويدعم الاستقرار النفسي للأسرة ككل.
من منظور الطب النفسي، تُصنف هذه الاضطرابات ضمن الاضطرابات العصبية النمائية التي غالبًا ما تترافق مع تحديات نفسية وسلوكية إضافية، مثل القلق، واضطرابات النوم، ونوبات الغضب، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. يعتمد التدخل النفسي الإكلينيكي على تقييم شامل للأعراض المصاحبة، مع توظيف العلاج النفسي الداعم، والعلاج السلوكي المعرفي المعدل ليتناسب مع الخصائص النمائية، إضافة إلى العلاج الدوائي في الحالات التي تكون فيها الأعراض المصاحبة مؤثرة بشكل كبير على الأداء اليومي ونوعية الحياة، مع التأكيد على أن الدواء لا يُعد علاجًا للاضطراب النمائي ذاته، بل وسيلة داعمة ضمن خطة علاجية متكاملة.
رغم التقدم العلمي، لا تزال هناك تحديات مجتمعية وتربوية تحد من فاعلية التدخل، من أبرزها محدودية الوعي المجتمعي، والتأخر في الوصول إلى التشخيص، ونقص الكوادر المتخصصة في البيئات التعليمية، إضافة إلى استمرار الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النمائية. إن التصدي لهذه التحديات يتطلب جهودًا منهجية لنشر التوعية العلمية، وتدريب المعلمين، وتطوير الخدمات التشخيصية والعلاجية، بما يضمن وصول الأطفال المشخّصين إلى الدعم المناسب في الوقت المناسب.
في الختام، إن فهم الاضطرابات النمائية الشاملة يتطلب تجاوز النظرة الاختزالية، والانتقال إلى منظور علمي إنساني يراعي الفروق الفردية ويؤكد على الإمكانات الكامنة. ورغم كونها اضطرابات عصبية نمائية ذات طابع مزمن، فإنها لا تعني غياب فرص التطور أو التعلم. يظل التدخل المبكر والمتكامل، المدعوم بالشراكة بين الأسرة والمختصين والمجتمع، حجر الأساس في تحسين المسارات النمائية، وتعزيز جودة الحياة، وبناء مستقبل أكثر شمولًا وعدالة للأطفال المشخّصين وأسرهم.
المراجع (APA 7):
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.).
- Volkmar, F. R., & McPartland, J. C. (2014). From Kanner to DSM-5: Autism as an evolving diagnostic concept. Annual Review of Clinical Psychology, 10, 193–212.
- Schreibman, L., et al. (2015). Naturalistic Developmental Behavioral Interventions: Empirically Validated Treatments for Autism Spectrum Disorder. Journal of Clinical Child & Adolescent Psychology, 44(6), 863–874.
- Lord, C., Elsabbagh, M., Baird, G., & Veenstra-Vanderweele, J. (2018). Autism spectrum disorder. The Lancet, 392(10146), 508–520.





