الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التربية الإيجابية في العصر الرقمي – استراتيجيات عملية لدعم الأطفال

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

مقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولًا رقميًا متسارعًا أثّر بشكل مباشر في حياة الأسر والأطفال، حيث أصبحت التقنيات الرقمية، مثل الإنترنت، والأجهزة الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، جزءًا أساسيًا من الروتين اليومي للأطفال في مختلف المراحل العمرية. ورغم أن الأهداف الجوهرية للتربية لم تتغير، والمتمثلة في الرعاية، والحماية، والتوجيه، وبناء القيم، إلا أن السياق الرقمي فرض على الأهل مسؤوليات إضافية تتطلب وعيًا أعمق ومهارات جديدة. ومن هنا برز مفهوم التربية الإيجابية في العصر الرقمي بوصفه نهجًا متوازنًا يهدف إلى دعم الأطفال وتمكينهم من استخدام التقنيات الرقمية بشكل آمن ومسؤول، مع الحفاظ على صحتهم النفسية والاجتماعية وتنمية شخصياتهم بصورة متكاملة.

تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على مفهوم التربية الإيجابية الرقمية، وشرح أسسها، واستعراض أنماط التربية الرقمية، وبيان الاستراتيجيات العملية التي يمكن للأسر اتباعها لدعم الأطفال في البيئة الرقمية، وذلك بالاستناد إلى الدليل الصادر عن مجلس أوروبا حول التربية في العصر الرقمي.

الأطفال والبيئة الرقمية

تختلف طبيعة تفاعل الأطفال مع البيئة الرقمية باختلاف مراحلهم العمرية واحتياجاتهم النمائية. ففي مرحلة الطفولة المبكرة، يكون الأطفال أكثر تأثرًا بالمحيط المباشر، ويُوصى بتقليل تعرضهم للشاشات والتركيز على التفاعل الواقعي، واللعب الحر، والنشاط الحركي، لما لذلك من أثر بالغ في النمو الجسدي واللغوي والاجتماعي. كما يتحمل الأهل في هذه المرحلة مسؤولية كبيرة فيما يتعلق ببصمة الطفل الرقمية، خصوصًا عند مشاركة الصور أو المقاطع عبر الإنترنت.

ومع تقدم الأطفال في العمر، تبدأ التقنيات الرقمية في أداء دور تعليمي وترفيهي، حيث يستخدم الأطفال التطبيقات التعليمية، ومقاطع الفيديو، والألعاب التي تسهم في تنمية مهارات القراءة، والحساب، والتفكير. وفي هذه المرحلة، تبرز أهمية الإشراف الإيجابي الذي يجمع بين التوجيه والدعم، مع تحديد أوقات استخدام واضحة.

أما في مرحلتي ما قبل المراهقة والمراهقة، فيزداد اعتماد الأطفال على الإنترنت للتواصل الاجتماعي، والتعلم، وبناء الهوية الشخصية. ويواجه الأطفال في هذه المرحلة تحديات رقمية أكثر تعقيدًا، مثل الخصوصية، وضغط الأقران، والتنمر الإلكتروني، ما يستدعي دورًا أكثر نضجًا من الأهل قائمًا على الحوار، وبناء الثقة، وتعزيز الوعي.

مفهوم التربية الإيجابية في العصر الرقمي

تشير التربية الإيجابية الرقمية إلى أسلوب تربوي يركز على احترام حقوق الأطفال واحتياجاتهم، وتوفير بيئة داعمة وآمنة لهم في العالم الرقمي، دون اللجوء إلى العنف أو القمع أو الرقابة المفرطة. وهي لا تقوم على المنع المطلق أو الإتاحة غير المشروطة، بل تعتمد على التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين التوجيه والاستقلالية.

ويرتكز هذا المفهوم على مبادئ أساسية، تشمل الرعاية الداعمة، وبناء العلاقات الإيجابية، ووضع حدود واضحة، والاعتراف بمشاعر الأطفال وآرائهم، وتمكينهم من اتخاذ قرارات واعية. وعند تطبيق هذه المبادئ في البيئة الرقمية، يصبح الهدف إعداد الأطفال ليكونوا مستخدمين ناقدين ومسؤولين للتقنية، قادرين على حماية أنفسهم واحترام الآخرين.

أنماط التربية الرقمية

تعكس أنماط التربية الرقمية في كثير من الأحيان أنماط التربية التقليدية داخل الأسرة. فهناك نمط يتسم بالصرامة الرقمية، حيث يفرض الأهل قواعد صارمة على استخدام التقنية دون شرح أو حوار، مما قد يؤدي إلى مقاومة الأطفال أو لجوئهم للاستخدام الخفي. وفي المقابل، يوجد نمط يتسم بالتساهل الرقمي، حيث تُمنح الحرية الكاملة للأطفال دون توجيه أو متابعة، ما قد يعرضهم لمخاطر متعددة.

كما يظهر نمط الحماية المفرطة، حيث يسعى الأهل إلى إزالة جميع المخاطر الرقمية ومنع أي تجربة قد تنطوي على تحديات، وهو ما قد يحرم الأطفال من فرصة تعلم مهارات المواجهة واتخاذ القرار. وتُعد التربية الإيجابية الرقمية نهجًا متوازنًا يستفيد من الجوانب الإيجابية لهذه الأنماط، من خلال الجمع بين الحزم والدعم، ووضع القواعد مع شرح أسبابها، وإشراك الأطفال في وضع ضوابط الاستخدام الرقمي.

استراتيجيات التربية الإيجابية في العصر الرقمي

التواصل المفتوح

يُعد التواصل المفتوح حجر الأساس في التربية الإيجابية الرقمية. فالحوار المستمر مع الأطفال حول أنشطتهم الرقمية، وما يشاهدونه، ومن يتفاعلون معه، يعزز الثقة ويجعل الأطفال أكثر استعدادًا لمشاركة تجاربهم ومخاوفهم. ومن المهم أن يكون هذا الحوار قائمًا على الاستماع الفعّال، بعيدًا عن التهديد أو التوبيخ، مع إظهار الاهتمام الحقيقي بعالم الطفل الرقمي.

تنمية التفكير النقدي

يساعد التفكير النقدي الأطفال على تحليل المحتوى الرقمي، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وفهم مخاطر مشاركة المعلومات الشخصية. ويمكن للأهل دعم هذه المهارة من خلال مناقشة ما يشاهده الأطفال، وتشجيعهم على طرح الأسئلة، والتفكير في عواقب السلوكيات الرقمية، مثل النشر أو التعليق أو التفاعل مع الغرباء.

تعزيز المواطنة الرقمية

تشمل المواطنة الرقمية تعليم الأطفال القيم والسلوكيات الإيجابية في العالم الرقمي، مثل احترام الآخرين، وحماية الخصوصية، والتعامل المسؤول مع المحتوى والتقنيات. ويؤدي الأهل دورًا محوريًا في هذا الجانب من خلال القدوة الحسنة، وتوضيح القوانين والتشريعات المتعلقة بحماية الأطفال في البيئة الرقمية، وتعزيز الوعي بالحقوق والواجبات الرقمية.

الاستمرارية والثبات

يتطلب تطبيق التربية الإيجابية الرقمية قدرًا عاليًا من الاستمرارية والثبات في القواعد والتوقعات. فوضوح القواعد واتساقها يساعد الأطفال على الشعور بالأمان، ويقلل من النزاعات المرتبطة باستخدام الأجهزة. كما ينبغي مراجعة هذه القواعد بشكل دوري لتتوافق مع عمر الطفل ونضجه واحتياجاته المتغيرة.

دور المجتمع والدعم الأسري

لا تقتصر التربية الرقمية على الأسرة وحدها، بل تمتد لتشمل المدرسة والمجتمع. ويسهم التعاون بين الأهل والمعلمين والمختصين في توفير بيئة رقمية داعمة وآمنة للأطفال. كما أن تبادل الخبرات بين الأسر، والانخراط في المجتمعات الداعمة، يساعد على مواجهة التحديات الرقمية المتجددة بثقة ووعي.

التوازن بين العالم الرقمي والواقع

يُعد تحقيق التوازن بين الأنشطة الرقمية والأنشطة الواقعية من أهم أهداف التربية الإيجابية الرقمية. فعلى الرغم من الفوائد التعليمية والترفيهية للتقنيات الرقمية، فإن الإفراط في استخدامها قد يؤثر سلبًا في صحة الأطفال ونموهم الاجتماعي. لذلك، ينبغي تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة البدنية، والقراءة، واللعب الحر، والتفاعل الأسري، بما يعزز نموهم المتكامل.

خاتمة

تمثل التربية الإيجابية في العصر الرقمي إطارًا ضروريًا لمواجهة تحديات العصر الحديث، حيث تسهم في حماية الأطفال وتمكينهم من استخدام التقنيات الرقمية بوعي ومسؤولية. ومن خلال التواصل الفعّال، والتوجيه المتزن، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز القيم الأخلاقية، يمكن للأسر دعم أطفالها ليكونوا أفرادًا آمنين ومتوازنين في العالم الرقمي والواقعي على حد سواء. إن الاستثمار في هذا النهج التربوي هو استثمار طويل الأمد في مستقبل الأطفال والمجتمع ككل.

المرجع

Parenting in digital age – Positive parenting strategies for different scenarios

https://edoc.coe.int/en/children-and-the-internet/8316-parenting-in-digital-age-positive-parenting-strategies-for-different-scenarios.html