ترجمة: أ. نوره الدوسري
مراجعة تطبيقية لكتاب: قوة الآن – إيكهارت تول
لحظة وعي في مساء ماطر
قبل بضع سنوات، وجدت نفسي جالسًا في سيارتي أثناء هطول مطر مفاجئ، أشعر بإرهاق شديد وانكسار داخلي. الحياة كانت تبدو كقائمة مهام لا تنتهي: مواعيد عمل متراكمة، علاقات متوترة، وأحلام تتباعد يومًا بعد يوم. كان ذهني عالقًا بين اجترار أخطاء الماضي والقلق المستمر بشأن المستقبل، دون أي حضور حقيقي للحظة الراهنة.
في تلك اللحظة، وكأن الأمر لم يكن مصادفة، كنت أستمع إلى بودكاست أشار فيه المتحدث إلى كتاب «قوة الآن» لإيكهارت تول، وطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق:
«ماذا لو أن كل ما تبحث عنه موجود هنا، في هذه اللحظة؟»
ظل هذا السؤال يتردد في ذهني، وفتح بابًا للتأمل: هل يمكن أن يكون السلام الداخلي أقرب مما نتصور؟
الرسالة الجوهرية لكتاب «قوة الآن»
كتاب «قوة الآن» ليس مجرد عمل فكري أو روحي، بل دعوة صريحة للاستيقاظ من نمط العيش الآلي. يركز تول على فكرة محورية مفادها أن اللحظة الحاضرة هي كل ما نملك فعليًا، وأن معظم معاناتنا النفسية تنبع من انفصالنا عنها، إما بالعيش في الماضي أو بالقلق المستمر بشأن المستقبل.
الكتاب، الذي نُشر لأول مرة عام 1998، يجمع بين الروحانية، وعلم النفس، والتأمل، ويهدف إلى مساعدة القارئ على التحرر من أنماط التفكير السلبية ومن سيطرة العقل المستمرة. وقد لاقى انتشارًا عالميًا واسعًا، لا سيما بعد دعمه من قبل أوبرا وينفري، واعتُبر من الكتب التي أثّرت في وعي الملايين حول العالم.
لماذا يجب قراءة «قوة الآن»؟
إيكهارت تول عاش أول ثلاثين سنة من حياته في حالة من القلق المستمر والاكتئاب العميق المتقطع، وكان يشعر بأنه لا يستطيع التعايش مع ذاته. ثم لاحظ أن فكرة «لا أستطيع العيش مع نفسي بعد الآن» تكشف عن بعدين للوجود: “أنا” و”ذاتي”. من هنا جاءت الفكرة الجوهرية للكتاب: البحث عن الذات الحقيقية من خلال اللحظة الحاضرة.
الكتاب لا يقتصر على الناحية الروحية، بل يتناول العلاقات الإنسانية، الصحة النفسية، وضغط العمل الحديث. يقدم تول أدوات عملية لمن يسعون للتوازن بين الحياة العملية والانغماس في القلق المستمر أو الانشغال الذهني المفرط.
الأفكار الرئيسية وتطبيقاتها العملية
1. التوقف عن الصراع مع العقل
يرى تول أن العقل، حين يُترك دون وعي، يتحول إلى مصدر للمعاناة. التفكير المستمر في الماضي أو المستقبل يخلق ألمًا نفسيًا غير ضروري. العقل يحب أن يختلق دراما، ويعيد تشغيل الأحداث أو يتخيل أسوأ السيناريوهات.
التطبيق العملي:
في تلك الليلة الماطرة، بدلًا من مقاومة الأفكار، حاولت مراقبتها فقط، كما لو كانت سحبًا عابرة في السماء. لم يكن الأمر سهلًا، لكنه منحني شعورًا بالتحرر.
يمكن للقارئ عند تسارع الأفكار أن يتوقف للحظة، ويركز على التنفس، وعلى ما يشعر به جسديًا، ويسأل نفسه: ما الذي يحدث الآن؟
2. تقبّل «ما هو كائن»
المقاومة الداخلية للحظة الراهنة – الرغبة في أن يكون الواقع مختلفًا – هي أحد أكبر مصادر الألم. القبول لا يعني الاستسلام، بل يعني التوقف عن إضافة معاناة نفسية غير ضرورية.
التطبيق العملي:
عند الوقوف في الازدحام المروري، بدل التذمر، تم تحويل اللحظة إلى فرصة للهدوء أو الاستماع إلى الموسيقى. وفي العمل، أصبحت فترات التوقف القصيرة للتنفس وسيلة فعالة لإعادة التوازن.
يمكن أيضًا تطبيق ذلك على المواقف العائلية: بدل الانزعاج من سلوك طفل أو شريك، يمكن مراقبة الحدث بهدوء وقبوله كما هو، مع الاحتفاظ بخيار الفعل الواعي بعد ذلك.
3. أنت لست أفكارك
من أهم أفكار الكتاب أن الإنسان هو مراقب لأفكاره وليس هو الأفكار نفسها. هذا الإدراك يخلق مسافة صحية بين الذات والعقل، ويقلل من قوة الأفكار السلبية.
التطبيق العملي:
تم تبنّي عادة الكتابة اليومية، حيث يتم تفريغ المخاوف والمهام على الورق، ثم إغلاق الدفتر. هذه الممارسة تُشبه إفراغ حقيبة ذهنية مثقلة قبل بدء اليوم.
كما يمكن تسمية الأفكار عند ظهورها: «ها هنا شعور بالخوف»، أو «ها هنا شك». هذه البساطة تخلق وعيًا باللحظة وتفصل الذات عن العقل.
4. الجسم الداخلي والوعي الجسدي
يشدد تول على أهمية الاتصال بالجسد والشعور بما يحدث داخله. اليقظة للجسم تمنح شعورًا بالهدوء وتخفف التوتر النفسي والجسدي.
التطبيق العملي:
تخصيص لحظات يومية للتركيز على التنفس، الإحساس بالقدمين على الأرض، أو حتى متابعة دقات القلب. هذا التركيز على الجسد يمنع الانغماس في الأفكار السلبية ويعزز السلام الداخلي.
الألم كمعلم
يقدّم تول مفهوم «جسد الألم»، وهو تراكم المشاعر السلبية القديمة التي تعزز السلوكيات المدمرة إذا لم يتم التعامل معها بحضور كامل. بالتالي، مواجهة الألم بوعي لحظي يسمح بتفكيك قوته، وتحويل المعاناة إلى وعي ونمو.
الاستسلام الواعي
الاستسلام، وفق تول، لا يعني السلبية أو الخمول، بل التوقف عن مقاومة اللحظة، مع القدرة على التصرف بوعي. هذا يشمل التعامل مع المرض، فقدان أحد، أو صراعات يومية، حيث يتحول التحدي إلى فرصة للنمو الداخلي.
العلاقات الإنسانية
يشير تول إلى أن العلاقات غالبًا ما تعكس الصراع الداخلي. الحب والانزعاج ليسا سببًا للمعاناة، بل يظهران الألم الموجود بالفعل داخلنا. بالقبول الكامل للآخر كما هو، يمكن تحويل العلاقات إلى مساحة للوعي والتعلم، بعيدًا عن التعلق الإدماني أو الحاجة إلى السيطرة.
البعد الروحي والوجودي
يستند الكتاب إلى مفاهيم من الديانات المختلفة (المسيحية، اليهودية، البوذية، وأحيانًا الصوفية)، مع التركيز على الوجود الداخلي بدل المفاهيم الدينية المغلقة. يقدم الكتاب أدوات للتواصل مع الذات العميقة، بعيدًا عن التفكير المستمر والانشغال بالماضي والمستقبل.
فوائد تطبيق قوة الآن
تقليل القلق والتوتر النفسي: بتركيز الانتباه على اللحظة، تتراجع مخاوف المستقبل وندم الماضي.
تعزيز الوعي الذاتي: الملاحظة الحاضرة للأفكار والمشاعر تساعد على فهم الذات بشكل أعمق.
زيادة السلام الداخلي: القبول الواعي يقلل من المقاومة الداخلية ويخلق شعورًا بالطمأنينة.
تحسين العلاقات: الانتباه للآخرين والقبول الكامل يعزز التفاهم والرحمة.
اكتشاف السعادة الحقيقية: الفرح ينبع من الداخل وليس من الظروف الخارجية.
خطوات عملية للتطبيق اليومي
توقف لحظة، تنفس، وركز على اللحظة الحالية.
راقب أفكارك دون الحكم عليها.
لاحظ جسدك، إحساسك بالتنفس والحركة.
مارس القبول لكل ما يحدث الآن، مهما كان غير مثالي.
سجل يوميًا المخاوف والأفكار، ثم ابتعد عنها.
اختر نشاطًا يملؤك حضورًا، مثل الرسم، المشي، أو الاستماع إلى الموسيقى.
الخلاصة
كتاب «قوة الآن» ليس مجرد قراءة، بل ممارسة حياة. إنه يقدّم منظورًا عميقًا لفهم المعاناة الإنسانية، ويمنح أدوات عملية للعيش بوعي أكبر، متحررين من ضغط العقل والقلق المستمر. السلام، والوضوح، والسعادة ليست أهدافًا خارجية، بل حالة تحدث فقط في اللحظة الراهنة.
بتطبيق هذه المبادئ يوميًا، يمكن للإنسان أن يتحرر من التفكير المفرط، ويجد الفرح في البساطة، والسلام في اللحظة، والمعنى في كل فعل يقوم به، ليصبح الحاضر هو الحياة نفسها، وليس مجرد مرحلة نمر بها.
المرجع
From Pages to Practice: Applying The Power of Now in Daily Life
Book Review: The Power of Now by Eckhart Tolle (A Guide to Spiritual Enlightenment)





