ترجمة: أ. رزان بن دهر
ضعف الذاكرة العاملة، والقصور في الوظائف التنفيذية، واضطراب تنظيم المشاعر، والسلوكيات الخطرة، والصعوبات الدراسية — جميعها من السمات المعروفة لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لكنها أيضًا من العلامات الشائعة لتعرض الأطفال والمراهقين للصدمات النفسية، تشير الدراسات العلمية بوضوح إلى أن التعرض للصدمات والتوتر المزمن يؤثر بشكل مباشر على أدمغة الأطفال، غير أن التجربة العملية تُظهر أن هذه التأثيرات لا تكون دائمًا واضحة أو سهلة التشخيص.
إن فهم طبيعة الصدمة وكيف تؤثر على الدماغ خلال مراحل النمو أمر بالغ الأهمية، إذ يساعد في التعرف على الإشارات التحذيرية ودعم الأطفال والمراهقين الذين يمرون بظروف ضاغطة، سواء في لحظة الانفعال أو خلال رحلة التعافي.
ما الذي يُعدّ صدمة نفسية؟
الصدمة هي استجابة نفسية قوية لحدث مرهق واحد أو سلسلة من الأحداث المتكررة، وتُصنّف الصدمات إلى أنواع مختلفة عادةً حسب مدتها وتكرارها.
ومع ذلك، فإن جميع أنواع الصدمات، سواء كانت أحداثًا أو بيئات أو تجارب، تشترك في سمة أساسية واحدة: أنها تنقص شعور الطفل بالأمان والاستقرار، ومن أبرز هذه التجارب:
- إطلاق النار داخل المدارس
- التنمر
- الاعتداء: الجسدي، أو النفسي، أو الجنسي
- الإهمال
- العنف المنزلي (سواء كضحية أو كشاهد)
- العنف في المجتمع
- العنصرية والتمييز
- الفقر
- مشاهدة وفاة أحد الأشخاص أو فقدان أحد أفراد الأسرة المقربين
- الكوارث الطبيعية
- الحوادث الخطيرة والإصابات
- الطلاق أو النزاعات المستمرة بين الوالدين
- التفكك الأسري
- التشرد
يشير الباحثون للأحداث التي قد تكون صادمة من خلال مصطلح “التجارب السلبية في الطفولة” أو ما يُعرف بـ ACEs Adverse Childhood Experiences، قد تؤدي هذه التجارب إلى تطور التوتر السام، أو تنشيط مفرط ومزمن لأنظمة الاستجابة للتوتر في الجسم، الأطفال الذين يتعرضون لعدة تجارب سلبية في الطفولة يكونون أكثر عرضة للإصابة بمشاكل صحية وعواقب سلبية أخرى في المستقبل.
الصدمة النفسية معقدة ومتعددة الأوجه؛ فليس كل ما هو مرهق يُعدّ صدمة بالضرورة، كما أنه ما قد يكون صادمًا لطفل أو مراهق، قد لا يكون كذلك لطفل آخر، فعلى سبيل المثال قد يتأثر طفل لديه استعداد وراثي للاكتئاب بتجربة سلبية بشكل مختلف عن طفل لا يحمل هذا الاستعداد الوراثي.
الصدمة النفسية واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه
يرتبط اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بعلاقة دقيقة ومعقدة مع الصدمات النفسية، فالأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أكثر عرضة لتجارب الطفولة السلبية مقارنة بالأطفال غير المشخصين به.
كما أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يُسجَّل بنسبة أعلى بين الأطفال الذين يعيشون في أسر تحت خط الفقر — والفقر، كما هو معلوم، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعرض للصدمات النفسية.
كيف تؤثر الصدمة النفسية على نمو الدماغ
تخيّل الدماغ وكأنه ثمرة خوخ، النواة (أي الجهاز الحوفي) تمثل الجزء المسؤول عن وظائف البقاء الأساسية مثل: معدل ضربات القلب، ضغط الدم، التنفس، وغيرها، أما الجزء اللحمي من الخوخ (أي القشرة الجبهية الأمامية) فهو المكان الذي تحدث فيه الوظائف العليا مثل: حل المشكلات، التكيف، التخطيط، وغيرها، والنواة تكون مكتملة تقريبًا عند الولادة، بينما ينمو الجزء اللحمي تدريجيًا بمرور الوقت.
في الدماغ السليم، تعمل هذه الأجزاء معًا بتناغم وتتلقى ما يكفي من “الطاقة” لتعمل وتتطور بشكل طبيعي، ولكن في ظل التوتر والصدمة، يدخل الدماغ في وضع النجاة، حيث يُحوّل الطاقة والموارد نحو النواة (الجزء المسؤول عن البقاء)، ويُقللها في القشرة الجبهية الأمامية، مما يعيق تطورها، لذلك تُعدّ القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ في طور النمو شديدة الحساسية لتأثيرات التوتر.
يرتبط التعرض المطوّل للصدمة والتوتر بما يلي:
- صغر حجم الحُصين (hippocampus): وهو جزء من الدماغ له دور مهم في التعلم والذاكرة.
- ارتفاع مفرط في مستويات الأدرينالين والكورتيزول: نتيجة التوتر السام، مما يؤدي إلى زيادتها في القشرة الجبهية ويعيق تطورها على المدى الطويل.
- خلل في التوازن بين المادة الرمادية والبيضاء في الدماغ: مما يسبب ضعفًا في شبكات الاتصال العصبي.
تأثير الصدمات النفسية على الأطفال
عند التعرض لضغط مزمن، يتولى المركز المسؤول عن البقاء (النواة أو الجهاز الحوفي) السيطرة على الدماغ، بينما تتعطل وظيفة الجزء اللحمي المفكر والمنظّم (القشرة الجبهية الأمامية)، وغالبًا ما يُظهر الأطفال الذين يتعرضون للصدمات أو التوتر المزمن المشكلات السلوكية التالية (مع العلم أن هذه القائمة ليست شاملة):
- سهولة الاستثارة والانفعال
- الاندفاعية
- تشتت الانتباه
- صعوبة في التركيز
- ضعف في تذكر المعلومات
- صعوبة في اتباع التعليمات متعددة الخطوات
- علاقات اجتماعية ضعيفة أو انسحاب اجتماعي
- تدنٍ في الأداء الأكاديمي
عندما يتعرض الطفل للصدمة في وقت مبكر من عمره، قد لا تظهر آثارها على نمو الدماغ إلا بعد سنوات، وتحديدًا عندما تبدأ المتطلبات الأكاديمية والاجتماعية بالتزايد، ويُفترض أن تكون وظائف الدماغ الناضجة جاهزة للتعامل معها — لكنها لا تكون كذلك.
العديد من علامات الصدمة المذكورة أعلاه تتقاطع أيضًا مع أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بل إن الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قد يكونون أكثر حساسية لتأثيرات الصدمة النفسية.
دعم الأطفال بعد الأحداث المؤلمة أو الضاغطة
توجد أساليب متنوعة من العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وتمارين اليقظة الذهنية (Mindfulness) للمساعدة في التعافي من الصدمة وتحفيز الدماغ على الخروج من “وضع البقاء”، حتى لدى الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مثل:
كما يلعب الآباء والأمهات ومقدمي الرعاية دورًا محوريًا في تشكيل استجابة الطفل للصدمة النفسية والحد من آثارها، ويشمل ذلك الأخوة الأكبر سنًا، والمدربين الرياضيين، والمعلمين، والنماذج الإيجابية الأخرى في حياة الطفل.
- وفّر مساحة آمنة لطفلك لا تُلحّ في طرح الأسئلة حول الحدث الصادم، بدلاً من ذلك طمئنه بأنك موجود دائمًا إذا أراد التحدث، يمكنك سؤاله إن كان يرغب في مشاهدة فيلم أو الخروج لتناول الآيس كريم — لكن دون أن يكون هدفك الحديث عن الحدث الصادم.
- مارس الاستماع النشط دع طفلك يروي قصته دون مقاطعة، لمساعدته على تنظيم مشاعره، استخدم عبارات تعكس ما يقوله مثل: “ما تقصده هو…” “أظن أنني أسمعك تقول…” وتجنب تقديم النصائح غير المرغوب بها، لأنها قد تجعله ينغلق على نفسه.
- بسّط لغتك اجعل جملك قصيرة، وتجنّب العبارات الطويلة أو الكلمات المعقدة.
- اجعل تعليماتك موجزة ومتوقعة فالأطفال القلقون أو المتوترون يجدون صعوبة في تذكر التعليمات، ذكّرهم بلطف بالمهام والمسؤوليات، وقدم المساعدة “أعلم أن لديك الكثير من الأمور التي تشغل بالك، لكن علينا أن نكون خارج المنزل الساعة 7 صباحًا للذهاب إلى المدرسة، كيف يمكنني مساعدتك لنكون مستعدين في الوقت المناسب؟”
- استخدم وسائل بصرية خارجية لتوضيح المعلومات أنشئ قائمة مصورة لروتين الطفل الصباحي والمسائي، حتى لا يضطر إلى أن يسترجع كل التفاصيل من ذاكرته المجهدة.
- كن قدوة في تنظيم الذات سيتعلم طفلك تهدئة نفسه إذا رأى ذلك فيك، “فترات التهدئة” (التي لا يجب أن تُستخدم كعقاب) مفيدة جدًا لاستعادة الهدوء والسيطرة على المشاعر، شجع طفلك على أخذ استراحة عندما يحتاج لذلك.
- عزّز مرونة طفلك النفسية (Resilience) ساعده على أن:
- يكوّن روابط قوية (مع العائلة، الأصدقاء، المجتمع…)
- يبحث عن فرص لاكتشاف ذاته.
- ينمّي صورة إيجابية عن نفسه.
- يتقبل أن التغيير والانزعاج جزء طبيعي من الحياة.
- يستمر في التقدّم نحو أهدافه، ويحافظ على الأمل رغم العثرات.
- يضع خطة للعناية بنفسه.
How Trauma and Chronic Stress Affect Developing Brains
https://www.additudemag.com/how-does-trauma-affect-the-brain-chronic-stress-adhd/





