الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف يبني الحديث الذاتي الإيجابي المرونة والقوة النفسية

 

مقدمة

العقل يشبه الراوي الداخلي الذي لا يتوقف عن سرد القصص، إذ يشكّل باستمرار الطريقة التي نرى بها العالم ونفهم من خلالها تجاربنا اليومية. هذا الحوار الداخلي المستمر، المعروف بالحديث الذاتي، يلعب دورًا محوريًا في مشاعرنا وسلوكياتنا وقدرتنا على مواجهة التحديات. ويُعد الحديث الذاتي الإيجابي، أو عادة استخدام خطاب داخلي داعم وبنّاء، عنصرًا أساسيًا من عناصر الصحة النفسية. فهو يؤثر في كيفية إدارتنا للضغط النفسي، وتنظيم مشاعرنا، وبناء المرونة النفسية (Meichenbaum, 1977).

لكن ما المقصود فعلًا بالحديث الذاتي الإيجابي؟ وهل هو مجرد تفكير متفائل أو تمنٍّ غير واقعي، أم أنه أداة حقيقية قادرة على إعادة تشكيل إدراكنا للواقع وتعزيز قوتنا النفسية؟ هذا المقال يستعرض مفهوم الحديث الذاتي الإيجابي، وأهميته النفسية والعصبية، ودوره في بناء المرونة والقوة الذهنية.

فهم الحديث الذاتي الإيجابي

يعتقد كثير من الأشخاص أن الحديث الذاتي الإيجابي يقتصر على ترديد عبارات تأكيدية مثل: «أنا قوي» أو «أستطيع فعل ذلك». ورغم أن العبارات التأكيدية تُعد جزءًا من هذا المفهوم، فإن الحديث الذاتي الإيجابي أعمق بكثير من ذلك. فهو يتمثل في كيفية استجابتنا للصعوبات بأسلوب يتسم بالتشجيع، والثقة، وعقلية النمو (Seligman, 2006).

لا يعني الحديث الذاتي الإيجابي تجاهل المشكلات أو التظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام، بل على العكس، يساعدنا على مواجهة التحديات بواقعية وبنظرة بنّاءة، مع الإيمان بقدرتنا على التطور والتغلب على الصعوبات. وتشير النظريات النفسية إلى أن أفكارنا تؤثر مباشرة في مشاعرنا وسلوكياتنا، وبالتالي فإن تغيير طريقة حديثنا مع أنفسنا يمكن أن يقود إلى تحسن ملحوظ في الصحة النفسية (Beck, 1976).

وقد أظهرت دراسات متعددة أن الأفراد الذين يستخدمون الحديث الذاتي الإيجابي يتمتعون بمرونة نفسية أعلى، وأداء أفضل، وقدرة أكبر على التعامل مع الضغوط النفسية (Tod et al., 2011). ويرجع ذلك إلى أن هذا النوع من الحديث الداخلي يساعد على إعادة صياغة الأفكار السلبية، وتحويل الشك الذاتي إلى تشجيع ذاتي، مما يعزز التوازن النفسي والقوة الذهنية.

ومن أمثلة الحديث الذاتي الإيجابي:

  • «لقد واجهت تحديات من قبل وتمكنت من تجاوزها، ويمكنني فعل ذلك مرة أخرى.»

  • «الأخطاء تساعدني على التعلم والنمو.»

  • «أنا قادر ولدي القوة الكافية للتقدم.»

مثل هذه العبارات تنشّط مناطق في الدماغ مسؤولة عن الدافعية وحل المشكلات، مما يسهل مواجهة التحديات بفعالية أكبر (Dweck, 2006).

مخاطر الحديث الذاتي السلبي

كما أن الحديث الذاتي الإيجابي يبني المرونة النفسية، فإن الحديث الذاتي السلبي قد يؤدي إلى تقويضها بشكل مباشر. ويتضمن ذلك الأفكار النقدية القاسية مثل: «أنا لست جيدًا بما فيه الكفاية» أو «أنا أفشل دائمًا». هذا النمط من التفكير يخلق حلقة مفرغة من الشك والخوف، ويجعل النجاح أكثر صعوبة (Nolen-Hoeksema, 2000).

وتشير الأبحاث إلى أن الحديث الذاتي السلبي يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والضغط النفسي (Beck & Alford, 2009). كما أظهرت دراسات في علم الأعصاب أن الانخراط المستمر في هذا النوع من التفكير يعزز المسارات العصبية المرتبطة بالتوتر والقلق. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب الانتقال إلى أنماط تفكير أكثر إيجابية (Fox et al., 2018).

في المقابل، فإن ممارسة الحديث الذاتي الإيجابي تسهم في بناء روابط عصبية أقوى تدعم المرونة النفسية والقدرة على حل المشكلات، مما يساعد الفرد على التعامل مع الضغوط بطريقة أكثر توازنًا.

كيف يعزز الحديث الذاتي الإيجابي القوة النفسية

للحديث الذاتي الإيجابي فوائد ملموسة يمكن قياسها علميًا. فقد أظهرت الدراسات أنه يخفف من أعراض القلق والاكتئاب، ويعزز تقدير الذات، ويحسّن مهارات التكيّف مع المواقف الصعبة (Wood et al., 2009). ويرجع ذلك جزئيًا إلى دوره في تنظيم المشاعر.

الجهاز الحوفي في الدماغ، ولا سيما اللوزة الدماغية، مسؤول عن الاستجابات العاطفية مثل الخوف والتوتر (LeDoux, 2000). وعندما ينخرط الفرد في حديث ذاتي سلبي، يتم تنشيط استجابة الضغط في الجسم، مما يضعف القدرة على التفكير المنطقي. أما الحديث الذاتي الإيجابي، فينشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار والتفكير العقلاني (Gross, 2002).

وقد أظهرت أبحاث نيف (Neff, 2011) حول التعاطف مع الذات أن الأفراد الذين يمارسون حديثًا ذاتيًا داعمًا – مثل استبدال عبارة «أنا فاشل» بعبارة «ما الذي يمكنني تعلمه من هذه التجربة؟» – يتمتعون بقوة نفسية وقدرة أعلى على التكيّف. وهذا يؤكد أن الحديث الذاتي الإيجابي لا يقوم على خداع النفس، بل على بناء عقلية تدعم النمو والمثابرة.

إعادة صياغة التحديات: تغيير نظرتنا للتحديات

من أبرز نقاط قوة الحديث الذاتي الإيجابي قدرته على إعادة صياغة التحديات. فعند مواجهة موقف ضاغط، يستجيب الجسم عادة بحالة «الكرّ أو الفرّ». غير أن الدراسات تشير إلى أن تغيير طريقة تفسيرنا للموقف يمكن أن يقلل من حدة هذه الاستجابة (Gross, 2002).

فعلى سبيل المثال، إذا ارتكب شخصان الخطأ نفسه في العمل، قد يقول الأول: «أنا سيئ في عملي»، مما يؤدي إلى شعور بالضغط وفقدان الثقة. بينما يقول الآخر: «يمكنني التعلم من هذا الخطأ وتحسين أدائي»، فيستجيب بطريقة أكثر بنّاءً. هذا الاختلاف في التفكير يُحدث فرقًا كبيرًا في كيفية التعامل مع الإخفاقات (Siegel, 2010).

وتدعم دراسات تصوير الدماغ هذه الفكرة، حيث أظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن إعادة صياغة الأفكار السلبية تنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وتقلل من نشاط اللوزة الدماغية، مما يعزز القدرة على تنظيم المشاعر بفاعلية (Ochsner & Gross, 2005).

بناء عادة الحديث الذاتي الإيجابي

يتطلب تطوير الحديث الذاتي الإيجابي وقتًا وممارسة منتظمة. وتتمثل الخطوة الأولى في ملاحظة الأفكار السلبية والعمل على استبدالها بأفكار بنّاءة. ويمكن للفرد أن يسأل نفسه: ما الأنماط المتكررة في حديثي الداخلي؟ هل تسود عبارات الشك أو الخوف؟

من الأساليب الفعالة في هذا المجال تقنية «إيقاف الفكرة»، حيث ينتبه الفرد للفكرة السلبية فور ظهورها، ثم يستبدلها بعبارة إيجابية أو واقعية (Hollon & Kendall, 1980). كما تُعد كتابة عبارات داعمة تتماشى مع النمو الشخصي وسيلة مفيدة، مثل:

  • «أنا قادر على تجاوز الصعوبات.»

  • «التحديات تساعدني على التعلم والتطور.»

  • «أختار التركيز على الحلول وليس المشكلات فقط.»

ومن المثير للاهتمام أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام ضمير المخاطَب أو الغائب في الحديث الذاتي قد يكون أكثر فاعلية من استخدام ضمير المتكلم. فعلى سبيل المثال، بدلًا من قول: «أنا أستطيع فعل ذلك»، يمكن القول: «أنت واجهت تحديات من قبل، ويمكنك التعامل مع هذا أيضًا». هذا الأسلوب يخلق مسافة نفسية تساعد على تنظيم المشاعر بشكل أفضل (Kross et al., 2014).

الصورة الأوسع: نحو ثقافة قائمة على التعاطف مع الذات

يُعد الحديث الذاتي قوة داخلية تؤثر بعمق في طريقة تعاملنا مع الشدائد وبناء المرونة النفسية. فالكلمات التي نستخدمها داخليًا تحدد قدرتنا على مواجهة الضغوط، وتنظيم المشاعر، والحفاظ على توازن نفسي صحي. ورغم أن الحديث الذاتي الإيجابي ليس حلًا سحريًا لجميع التحديات، فإنه أداة أساسية لتعزيز الصحة النفسية.

لكن يبقى السؤال: كيف يمكن جعل الحديث الذاتي الإيجابي جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية؟ قد تكمن الإجابة في تغيير الثقافة المجتمعية نفسها. فإذا شجعنا التعاطف مع الذات بدلًا من النقد الذاتي، فقد يطوّر الأفراد حوارات داخلية أكثر صحة بشكل تلقائي. ويمكن أن يبدأ هذا التحول في المدارس وأماكن العمل والمجتمعات، من خلال تعزيز الدعم النفسي وبناء المرونة العاطفية.

يلعب الآباء والمعلمون والقادة دورًا مهمًا في تشكيل الحديث الذاتي لدى الأجيال القادمة. فتعليم الأطفال أن يكونوا لطفاء مع أنفسهم، وأن ينظروا إلى الأخطاء كفرص للتعلم، يسهم في بناء مرونة نفسية تدوم مدى الحياة. كما أن المؤسسات التي تشجع التغذية الراجعة البنّاءة وتوفر بيئة آمنة نفسيًا تساعد الأفراد على تطوير حديث ذاتي إيجابي، مما ينعكس على الصحة النفسية والإنتاجية.

وفي النهاية، إذا كانت المرونة تُبنى فكرة بعد فكرة، فإن الطريقة التي نخاطب بها أنفسنا قد تكون من أقوى الأدوات التي نمتلكها. ومن خلال تبنّي التعاطف مع الذات وتعزيز الحوار الداخلي الداعم، يمكننا بناء مجتمع أكثر إيجابية وقوة نفسية لنا وللأجيال القادمة.

المرجع

How Positive Self-Talk Builds Resilience and Mental Strength

https://www.shyrohealth.com/resources/article/how-positive-self-talk-builds-resilience-and-mental-strength