ترجمة: أ. نوره الدوسري
المثابرة هي الالتزام بتجاوز العقبات ومتابعة الأهداف طويلة المدى، وهي عنصر أساسي لتحقيق النجاح الشخصي والمهني. بناء المثابرة يتطلب وضع أهداف واضحة، الحفاظ على الدافعية، والتعلم من الفشل دون الاستسلام. إن تنمية المثابرة تعزز المرونة النفسية وتزيد من الرفاهية العامة والنمو الشخصي، كما تجعلنا قادرين على مواجهة التحديات بثقة وإيجابية.
ما هي المثابرة في علم النفس؟
يمكن فهم المثابرة على أنها الدافع المستمر للوصول إلى أهدافنا وتحسين مهاراتنا وأدائنا من خلال الجهد المستمر. إنها شكل من أشكال الهدفية والانضباط الذاتي، وتتطلب التزامًا طويل الأمد وشغفًا داخليًا حقيقيًا.
على الرغم من أن المثابرة تختلف عن الدافعية والعزيمة، إلا أنها تتضمن عناصر من كلا المفهومين. النجاح في أي مجال يتطلب الاستمرار رغم الصعوبات، والقدرة على المثابرة عند مواجهة التعقيدات والمشكلات غير المتوقعة. في هذا السياق، ترتبط المثابرة بالقدرة على تأجيل الإشباع، وتنظيم الذات، وممارسة ضبط النفس، وكلها ضرورية للحفاظ على الالتزام بهدف طويل المدى.
جميع أشكال التعلم وإتقان المهارات تتطلب المثابرة. إذا لم نستمر في محاولاتنا لتعلم الكلام، المشي، ركوب الدراجة، تعلم لغة جديدة، أو التغلب على المخاوف والمعتقدات المحددة لقدراتنا، فإننا سنظل عالقين دون أي تقدم. عدم المثابرة يوقف التطور العقلي والجسدي والاجتماعي النفسي، ويحد من إمكاناتنا الحقيقية. يمكن أيضًا اعتبار المثابرة، أو الاستمرار، كسمات شخصية ترتبط بالجهد والطموح والسعي للكمال.
في علم النفس الشخصي، تتجلى جوانب المثابرة ضمن خصائص الضمير الذاتي، الذي يشمل وضع الأهداف، الانضباط، التنظيم، والعناية بالتفاصيل. بعض الباحثين يشيرون إلى أن مفهوم العزيمة قريب من خصائص الضمير الذاتي، فهو يعكس القدرة على التركيز على الأهداف الطويلة المدى وتحمل الصعوبات لتحقيقها.
المثابرة كقوة شخصية
تعتبر المثابرة، عند الجمع بينها وبين الشغف، مصدرًا للعزيمة. الشغف هنا هو الثبات في الاهتمام المستمر بشيء ما، وهو الذي يوفر الدافع الأساسي لمتابعة الأهداف طويلة المدى.
تثبت الدراسات أن العزيمة تُعد من أهم الصفات للنجاح في الحياة، فالموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق الإنجازات. الجهد المستمر، والتعلم من الأخطاء، والمثابرة على تحسين الأداء هي عوامل أكثر أهمية من القدرات الطبيعية في تحديد مستوى الإنجاز.
الأشخاص الذين يمتلكون العزيمة يتمتعون بقدرة أكبر على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافهم، ويظهر ذلك بوضوح في الحياة الأكاديمية والمهنية، حيث يحقق الطلاب والموظفون الأكثر عزيمة نتائج أفضل ومستويات أعلى من الإنجاز. الجدير بالذكر أن العزيمة يمكن تعلمها وتطويرها من خلال الممارسة المستمرة والانضباط الذاتي، ما يعني أن أي شخص قادر على تعزيز مثابرته إذا التزم بالجهد والتعلم المستمر.
أمثلة حقيقية للمثابرة
تظهر المثابرة بوضوح في حياة العديد من الأشخاص الناجحين، ومن أبرز الأمثلة:
- ج. ك. رولينج: كتبت أولى مخطوطاتها لكتاب هاري بوتر تحت ظروف صعبة للغاية، وكانت أمًا عازبة تعيش في فقر شديد وتعتمد على الدعم الحكومي، لكنها خصصت كل وقت فراغ لديها للكتابة. بعد رفض العديد من وكلاء النشر، لم تستسلم، ووجدت أخيرًا من يقبل عملها، ليصبح الكتاب فيما بعد من أكثر الكتب مبيعًا في العالم.
- توماس إديسون: المخترع الشهير للمصباح الكهربائي، فشل في مئات المحاولات قبل الوصول إلى النجاح. اعتبر كل تجربة فاشلة جزءًا من عملية التعلم، وقال إن “العبقرية تتكون من واحد بالمائة إلهام وتسعة وتسعين بالمائة جهد”.
- والت ديزني: على الرغم من فشل شركته الأولى وطرده من عمله كرسام صحفي، لم يتوقف عن متابعة شغفه، وفي النهاية أسس إمبراطورية عالمية للترفيه والرسوم المتحركة.
- هنري فورد: مؤسس خط الإنتاج الصناعي المعروف، واجه إفلاسًا عدة مرات قبل أن ينجح في تأسيس شركة فورد وتحويل صناعة السيارات عالميًا.
- سير ريتشارد برانسون: الذي عانى من صعوبات تعليمية وعسر القراءة، ركز على نقاط قوته واهتماماته، واستخدم الشغف والإبداع والمهارات الريادية لتحقيق نجاح كبير في الأعمال.
العلاقة بين المثابرة والمرونة النفسية
تعد المرونة النفسية، أي القدرة على التعافي بعد مواجهة الصعوبات، عنصرًا محوريًا في المثابرة. الأشخاص المرنون قادرون على العودة سريعًا إلى حالتهم الطبيعية بعد مواجهة العقبات، ولا يسمحون لأنفسهم بالانغماس في الشفقة على الذات أو اللوم الذاتي.
الأشخاص المثابرون والمرنون يتعاملون مع الفشل بشكل بناء، ويرونه فرصة للتعلم والتطور. هم يحاولون دائمًا فهم الأسباب وراء الفشل وتعديل سلوكهم لتجنب الوقوع في نفس الأخطاء في المستقبل. هذا النهج يعكس ما يُعرف بـ “عقلية النمو”، حيث يلتزم الشخص بتطوير مهاراته وقدراته بشكل مستمر، على عكس “العقلية الثابتة” التي تعتقد بأن القدرات محددة سلفًا، وتحد من احتمالات التعلم والتحسين.
طرق تحسين المثابرة
تنمية العزيمة والمثابرة تتطلب أربعة عناصر أساسية:
- الاهتمام: اكتشاف الشغف الحقيقي، تجربة أمور جديدة، تطوير الاهتمامات، والبقاء ملتزمين بما نحب.
- الممارسة: التدريب المستمر مع التركيز على نقاط الضعف، تحديد أهداف صعبة، والاستفادة من التغذية الراجعة.
- الغرض: الرغبة في الإسهام في تحسين العالم ومساعدة الآخرين، ما يعزز الشغف والدافعية.
- الأمل: الإيمان بأن الجهود المبذولة تؤثر في المستقبل وتسهم في تحقيق نتائج ملموسة.
يمكن أيضًا تعزيز المثابرة من خلال الدعم الخارجي، سواء من خلال الأهل بتشجيع أطفالهم على متابعة اهتماماتهم، أو من خلال خلق بيئة عمل تدعم التحدي والمثابرة وتوفر الدعم اللازم لتحقيق النجاح.
رسالة ختامية
المثابرة، كفضيلة قديمة، تجمع بين الشجاعة والصمود. الشجاعة ضرورية لتجاوز العقبات ومواجهة الصعوبات دون استسلام. يمكن دمج المثابرة في حياتنا اليومية عبر مفهوم الكايزن الياباني، الذي يركز على التحسين التدريجي والمستمر، مهما كانت الخطوات صغيرة، لضمان تغييرات مستدامة في العادات والأداء.
كايزن يشجع على الاستمرار في تحسين الذات دون النظر إلى حجم الإنجاز، حيث تُعتبر كل خطوة صغيرة نحو الأفضل جزءًا من النجاح الكبير. التركيز هنا على التغيير المستمر والمثابرة في العمل على الذات لتحقيق نمو دائم ومستدام، وهو نهج عملي يمكن تطبيقه في جميع جوانب الحياة الشخصية والمهنية.
المرجع
Perseverance in Psychology: Meaning, Importance & Books
https://positivepsychology.com/perseverance/





