الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

علم الوراثة اللاجينية وتأثير البيئة على ADHD

 

ترجمة: أ. رزان بن دهر

 

ما أسباب اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه؟

شهد فهمنا لاضطراب ADHD تطوّرًا كبيرًا خلال الثلاثين عامًا الماضية، فقد عُرف في بداياته باسم اضطراب الاندفاع مفرط الحركة، حيث كان يُنظر إلى فرط النشاط بوصفه العرض الأبرز، ثم تحوّل الاهتمام لاحقًا إلى اضطراب تشتت الانتباه وما يصاحبه من صعوبة في التركيز، ومن ثم إلى دور نظام المكافأة في الدماغ، وبعد ذلك إلى الوظائف التنفيذية، لم يكن أيّ من هذه التفسيرات خاطئًا، فكل واحد منها سلّط الضوء على جانب أساسي من جوانب الاضطراب، لكن المشكلة أنّها لم تُدمَج معًا في صورة واحدة متكاملة، وهو ما جعل الفهم الكلّي للحالة ناقصًا.

اليوم، توصّل الباحثون إلى أن ADHD هو في جوهره اضطراب في التنظيم الذاتي، والتنظيم الذاتي يجمع خيوط النظريات السابقة في إطار شامل، إذ إنّه يمكّن الإنسان من ضبط اندفاعاته، والتحكّم في توجيه انتباهه أو سحبه، والموازنة بين الاستجابات التلقائية وتلك المتعمّدة بحسب الموقف، وتتم إدارة هذه القدرة في الدماغ عبر شبكات مترابطة بشدّة؛ حيث تتحكّم العقد العصبية ذاتها في الانتباه والعاطفة معًا، وبالتالي فإن ضعف أداء أي منطقة ينعكس سلبًا على الأخرى.

وبخلاف النظريات القديمة التي كانت تُرجع الاضطراب إلى خلل في منطقة دماغية واحدة، توضّح النظريات الحديثة أن ADHD ينشأ نتيجة اضطراب في التواصل العصبي بين مناطق متعدّدة من الدماغ، حيث يحدث نوع من “سوء الإشارات” في الاتصالات العصبية المتغيّرة باستمرار، وتشير الأبحاث الناشئة إلى أنّ هذه الاضطرابات العصبية قد تعود إلى العوامل البيئية بقدر ما تعود إلى العوامل الجينية — وربما أكثر.

إنّ هذا الفهم الجديد يمنحنا رؤية أشمل وأعمق لاضطراب ADHD، لكنه يقدّم أيضًا نافذة أمل: فإذا كانت البيئة قادرة على مفاقمة الأعراض، فهي قادرة كذلك على تحسينها.

اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه: من الجينات إلى علم الوراثة اللاجينية

كان الباحثون يعلمون منذ زمن طويل أن ADHD يمكن أن يُورَّث جينيًا، لكن الفكرة القديمة التي افترضت إمكانية العثور على “جين واحد” مسؤول عن الاضطراب ومن ثم “إصلاحه” باتت اليوم غير صالحة، فالنظرية الأحدث ترى أن ADHD، بوصفه اضطرابًا يرتبط أساسًا بالتنظيم الذاتي، يتعلّق بما يُسمّى علم الوراثة اللاجينية (Epigenetics).

يشير علم الوراثة اللاجينية إلى السمات أو التغيّرات البيولوجية التي لا يمكن تفسيرها عبر الشيفرة الجينية وحدها، فآلياته تترك بصمة فيزيائية على الحمض النووي (DNA) عندما يمرّ الإنسان بتجربة مهمّة، سواء كانت إيجابية أم سلبية، هذه البصمات — مثل إضافة جزيئات الميثيل (Methyl) أو تعديل ذيل الهستون (Histone Tail) — تغيّر من وظيفة الجينات، إمّا بما تفعله أو بدرجة التعبير عنها وباختصار، فإن البيئة والتجارب الحياتية تؤثّر بشكل دائم على النمو والسلوك البشري، من خلال إحداث تغييرات على مناطق من الحمض النووي، قد تدوم آثارها طوال العمر.

كيف يحدث ذلك؟ تبدأ القصة مع الجينات نفسها — اللبنات الأساسية لما نحن عليه وما نصبحه لكن منذ فترة الحمل يتعرّض كل جنين لمزيج مختلف من السموم البيئية والعوامل المساعدة، وبعد الولادة، يبدأ التأثير النفسي لعوامل مثل الضغط العصبي، و الصدمات في الظهور، يقوم علم الوراثة اللاجينية بالتقاط هذه المدخلات البيئية والنفسية واستخدامها في تعديل طريقة تعبير الجينات عن نفسها — أي أن وظيفة الجين ودرجة نشاطه لا يمكن تحديدها بدقة إلا إذا أُخذت البيئة والتجارب الشخصية في الاعتبار.

التأثيرات البيئية على اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه

يقدّم علم الوراثة اللاجينية رؤية أكثر تعقيدًا لاضطراب ADHD، لكنه في الوقت نفسه أكثر تفاؤلًا؛ فالجينات لا تحدّد مصير الإنسان وحدها، صحيح أنّ الجينات قد تجعل الفرد أكثر عرضة لبعض الأمراض أو الاضطرابات — بما فيها ADHD — لكن النظام الجيني بأكمله ديناميكي للغاية ويتأثّر بالمدخلات البيئية، وهذا يعني أنّه من الممكن تغيير طريقة تعبير “جينات ADHD” عن نفسها عبر إجراء تغييرات بيئية معيّنة.

وقد أكّدت أبحاث موثوقة وراسخة في علم الوراثة اللاجينية هذه النتائج، ففي إحدى التجارب، تم أخذ جنينين متطابقين وراثيًا من الفئران، وخلال المرحلة الجنينية تم إطعام أمهما بأغذية تحتوي على مادة البيسفينول A (BPA) السامّة، غير أنّ غذاء إحدى الأمهات دُعّم بعناصر غذائية مثل الكولين، وحمض الفوليك، وفيتامين B12. لاحقًا، استطاع الجنين الذي حصل على هذه المغذيات الإضافية أن يتجنّب الآثار السلبية للـBPA، مثل ارتفاع نسبة الدهون في الجسم وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال علم الوراثة اللاجينية: فقد تمكّنت العناصر الغذائية الإضافية من “إيقاف” الجينات التي تستجيب لمادة BPA، وبالتالي حماية الفأر من آثارها الضارّة.

في تجربة أخرى — هذه المرّة على البشر — جرى اختبار ما إذا كان تناول مكمّل أوميغا-3 من قِبل الأم سيؤثر على قدرات الانتباه لدى طفلها، وقد أظهرت النتائج أنّ الأطفال الذين تلقت أمهاتهم هذا المكمّل عشوائيًا امتلكوا قدرة أقوى على الانتباه عند عمر 6 و12 شهرًا، ولاحقًا كانت لديهم قدرات عقلية أكثر تطوّرًا مقارنة بأطفال الأمهات اللواتي لم يتناولن المكمّل، وبما أنّ التجربة كانت عشوائية وكان تأثيرها كبيرًا، تمكّن الباحثون من إثبات وجود علاقة سببية واضحة — مرة أخرى متأثرة بعوامل علم الوراثة اللاجينية.

وقد أظهرت دراسات أخرى نتائج مشابهة فيما يخص الأصباغ الغذائية، والمواد الحافظة الصناعية، والرصاص؛ إذ إنّ إدخال أيٍّ منها إلى بيئة الطفل سواء قبل الولادة أو بعدها كان له تأثيرات سببية مباشرة على الانتباه، وفرط النشاط، وتنظيم العواطف، كما أُجريت تجارب مماثلة على الضغط النفسي — وكيف يمكن لممارسة الرياضة أن تعاكس هذه الآثار السلبية، ففي تجربة وضعت فيها فئران تحت ظروف مرهقة يوميًا لفترة زمنية محددة، نتجت تغيّرات جينية ملحوظة أدّت إلى تراجع في الوظائف الصحية، لكن عندما أُتيح لتلك الفئران ممارسة التمارين الرياضية بالتزامن مع استمرار التعرّض للضغط، تمّت إزالة الآثار السلبية على الدماغ بالكامل، وقد قدّمت هذه الدراسة مثالًا واضحًا على كيف يمكن للرياضة أن تعكس الأضرار الدماغية الناتجة عن التجارب السلبية في وقت مبكر من الحياة.

أبحاث ADHD حول أسبابه وعلاجاته

تشير هذه الأبحاث إلى أنّ تغييرات نمط الحياة قد تساعد في التخفيف من تأثيرات الجينات المرتبطة باضطراب ADHD، والتي قد تُفعَّل بفعل العوامل الوراثية أو الكيميائية أو الغذائية أو غيرها، ورغم أنّنا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الأبحاث في مجال علم التخلّق، إلا أنّ هناك أمورًا باتت واضحة: مثلًا، مكمّلات أوميغا-3، والتمارين الهوائية (Aerobic Exercise)، وإدارة الضغوط النفسية يمكن أن يكون لها تأثيرات إيجابية وحقيقية على أعراض ADHD سواء لدى الأطفال أو البالغين.

لكن ما حجم هذه التأثيرات؟ بعض التغييرات — مثل تقليل وقت مشاهدة التلفاز اليومي لدى الطفل — لها تأثير محدود جدًا على أعراض ADHD، بالكاد يُلاحظ في حياة الأسرة اليومية، في المقابل، تغييرات أخرى مثل زيادة تناول أوميغا-3 أو إدخال برنامج رياضي منتظم لها تأثيرات أكبر بكثير — تصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف تأثير تقليل وقت الشاشة.

ويُوصي الباحثون اليوم بأن يتبع كل شخص مشخص بـ ADHD الاستراتيجيات التالية:

  1. ممارسة الرياضة: هناك أدلة قوية ومقنعة على أنّ التمارين الرياضية تعود بفوائد كبيرة على نمو الطفل وانتباهه بل إنّها قادرة أيضًا على عكس الأعراض السلبية لاضطراب ADHD لدى البالغين لذا يجب اعتبارها استراتيجية علاجية منتظمة.
  2. النوم: النوم ضروري لإعادة بناء الدماغ والجسم، ولتحسين مهارات الانتباه وتعزيز التعلم الحصول على قسط كافي من النوم العميق والمريح يمكن أن يخفّف من أعراض ADHD لدى أي شخص.
  3. إدارة الضغوط النفسية: يساهم ADHD في رفع مستوى التوتر لدى الأسرة كلها، وغالبًا ما يخلق حلقة سلبية بين الوالدين والأبناء أو بين الأزواج، تعلّم كيفية إدارة التوتر كأسرة — سواء عبر التأمل الذهني (Mindfulness)، أو العناية الذاتية، أو العلاج النفسي — يساعد في إيقاف أو إبطاء التغيّرات الوراثية اللاجينية السلبية في الدماغ التي تزيد أعراض ADHD سوءًا.

إنّ الأبحاث المستمرة تخلق قاعدة متنامية من الأدلة حول أيّ تغييرات في نمط الحياة تُحسّن أعراض ADHD وأيّها أقل جدوى، ورغم أنّ النتائج ما زالت أولية، فإنّ الأدلة الحالية قوية بما يكفي لتطبيقها عمليًا، تغييرات بسيطة — مثل ممارسة الرياضة بانتظام أو تناول مكمّل زيت السمك — يمكن أن تُحدث تأثيرات حقيقية ودائمة على أعراض ADHD بمعنى آخر: الجينات لا تحدّد مصيرك بشكل نهائي.

المرجع:

Epigenetics and ADHD: The Impacts of Environment, Lifestyle, and Stress

https://www.additudemag.com/epigenetics-and-adhd-how-environment-impacts-symptoms /