ترجمة: أ. رزان بن دهر
القلق في حد ذاته ليس أمرًا سيئًا دائمًا، بل يمكن أن يكون مفيدًا في بعض الأحيان، فهناك نوع من القلق يدفعنا إلى العمل ويُحفزنا على الإنجاز، مثل القلق من التأخر في تسليم الواجبات، أو الوصول متأخرين إلى العمل، أو نفاد شحن الهاتف، هذا ما يُعرف بالقلق البنّاء، وهو يعكس تفكيرًا استباقيًا يساعد صاحبه على ابتكار حلول وخطط للتعامل مع ما قد يحدث.
لكن على الجانب الآخر، هناك القلق السلبي أو التفكير الكارثي وهو الانشغال المفرط بأمور لا يمكن التحكم بها، مثل الأحوال الجوية الشديدة، أو تحطم الطائرات، أو قلقك من آراء الآخرين بك هذا النوع من التفكير يعيد نفسه في ذهنك مرارًا وتكرارًا، مما يسبب شعورًا دائمًا بعدم الراحة.
الأشخاص الذين يعانون من هذا النوع من القلق غالبًا ما يواجهون صعوبة في النوم، ويشعرون بالإرهاق، أو الانزعاج الجسدي، أو الغثيان، أو حتى الصداع، كما أنهم يبدؤون في تفادي تجارب الحياة بالكامل، مما يحدّ من قدرتهم على العيش براحة.
القلق وعلاقته بالتفكير المفرط
القلق يظهر عندما تبالغ في استجابتك للخوف أو التوتر إنه ليس مجرد إحساس نفسي، بل حالة جسدية أيضًا فقد يسبب القلق أعراضًا جسدية مزعجة، مثل آلام في المعدة، أو ضيق في الصدر، أو صداع، أو جفاف في الفم، أو تعرّق في راحتي اليدين، كما يترافق القلق مع عناصر نفسية (مثل المعتقدات المشوّهة أو التوقعات السلبية)، وعاطفية (مثل الشعور بالخوف أو القلق الشديد).
القلق كان أداة تطورية ساعدتنا على البقاء عبر العصور، فقد كان يجهّز أجسادنا لمواجهة الخطر الحقيقي، مثلًا، إذا واجهنا نمرًا مفترسًا في الغابة، كانت أجسادنا تتأهب فورًا: تتوتر عضلاتنا، ويتسارع تنفسنا، ونستعد للهرب أو القتال — أو حتى للتجمّد في مكاننا كاستجابة دفاعية، أما اليوم، فلم نعد نواجه نمورًا مفترسة، لكن أدمغتنا لا تزال تتعامل مع المواقف المجهدة كما لو أنها تهديدات فقد يكون بريد إلكتروني متأخر من مديرك سببًا في إطلاق سلسلة من الإنذارات في دماغك وجسدك، تجعلك تشعر وكأنك في خطر حقيقي.
يوجد فرق بين الخطر الحقيقي والخطر المُتخيّل، الخطر الحقيقي هو عندما لا تنتبه لسيارة مسرعة تقترب منك أثناء عبورك الشارع، فتقفز إلى الرصيف في اللحظة الأخيرة لتتجنّب الاصطدام، أما الخطر المتخيّل، فهو قائم على توقعات سلبية لا تستند إلى الواقع: ترى عنكبوتًا صغيرًا يزحف على السقف، فتفترض أنه قد يزحف عشرة أقدام إلى الأسفل، ثم ستة أقدام عبر الأرض، ثم يصعد على ساقك ويلدغك، قد تظن أنك ستموت من لدغته — رغم أنه لا توجد أي دلائل تشير إلى أن العنكبوت سام أو خطر، هذا النوع من التفكير القائم على التوقعات السلبية والتفكير بـ”كل شيء أو لا شيء” شائع لدى الأشخاص المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، نتيجة لأحد الأعراض الشائعة لديهم: عدم التنظيم العاطفي، ومع ذلك، يمكنك تعلم كيف تتعامل مع هذه التصورات وتفككها، وتتوقف عن المبالغة والتفكير الكارثي وللبدء في ذلك، اسأل نفسك أولًا:
هل هذا القلق بنّاء أم سلبي؟
القلق السلبي مقابل القلق البنّاء
القلق البنّاء يمكن أن يساعدك في حل المشكلات وتوجيه طاقتك نحو أفكار مفيدة، على سبيل المثال، زوجي من الأشخاص الذين يقلقون بشكل بنّاء؛ يستخدم أسلوب “التخطيط العكسي” لنصل إلى المطار بوقت كافٍ قبل موعد رحلتنا، لكن حتى القلق البنّاء قد يخرج عن السيطرة أحيانًا — كما حدث في إحدى المرات بعد نهاية عطلة رائعة قضيناها في منتزه “غلاسيير الوطني” في ولاية مونتانا كنا في طريقنا إلى المطار، فطلبت منه أن نتوقف لشراء الغداء.
قلت له: “الساعة الآن 11:45 صباحًا، ورحلتنا تقلع في الساعة 1:45 ظهرًا لدينا متسع من الوقت، فالمطار هنا صغير جدًا.”
رد زوجي: “ليس لدينا وقت كافي” كان قلقه من تفويت الرحلة كبيرًا لدرجة أنه بدأ يقود بسرعة زائدة، أوقفنا شرطي المرور ولحسن الحظ، لم يكتب لنا مخالفة، لكن الموقف أضاع علينا دقائق ثمينة وتسبب لنا بتوتر كبير، ومع ذلك، وعلى الرغم من انزعاجه الشديد، أصريت على التوقف لشراء الغداء وفعلاً، وصلنا إلى المطار وبقي معنا وقت وفير.
لا يحتاج الأمر سوى القليل حتى يتحوّل القلق البنّاء إلى قلق سلبي فبينما يركّز القلق البنّاء على محاولة التحكم في الموقف، فإن القلق السلبي يجعلك تشعر بالعجز والضعف، أنا شخصيًا من نوعية الأشخاص الذين يجمعون بين النوعين من القلق:
أحيانًا يكون قلقي بنّاءً (هل سأنهي كتابة هذا المقال في الوقت المناسب؟ يجب أن أفعل!) وأحيانًا يكون قلقي سلبي (هل سيكون البث المباشر على فيسبوك مفيدًا ويحتوي على نقاشات جيدة؟ هل ستحصل ابنتي، التي تعيش على بُعد 3,000 ميل، على لقاح الإنفلونزا؟) عندما يكون قلقي بنّاءً، يمكنني أن أؤثر على الموقف وأتخذ خطوات عملية، أما في حالة القلق السلبي فليس بوسعي فعل أي شيء عليّ فقط أن أعترف بهذه المخاوف ثم أتركها تمضي، وطبعًا، هذا أسهل بكثير نظريًا من فعله في الواقع.
3 طرق للتوقف عن التفكير الكارثي
لكي تتمكن من تحويل القلق السلبي إلى قلق بنّاء، عليك أولًا أن تُدرك أنك تمارس التفكير الكارثي، يحدث هذا عندما تُسيطر اللوزة الدماغية (وهي الجزء المسؤول عن الاستجابة المواجهة أو الهرب أو الجمود، وتقع ضمن الجهاز الحوفي العاطفي) على “دماغك المفكر” — أي القشرة الجبهية الأمامية — من خلال إطلاق هرموني الأدرينالين والكورتيزول، في تلك اللحظة، يتركز كيانك كله على البحث عن الأمان والشعور بالحماية، ببساطة، الجزء الذي يجعلك تهرب من النمور أو تتفادى السيارات المسرعة، يبدأ بالتحكم في كل ردود أفعالك.
- قم بتفكيك سلسلة “ماذا لو؟”
لاستعادة السيطرة، خفّف من حدّة التفكير الكارثي من خلال تذكّر النجاحات السابقة، والأدوات، والاستراتيجيات، والعبارات التي استخدمتها سابقًا لتجاوز المخاوف المتخيّلة، عندما أجد نفسي عالقة في دوامة “ماذا لو؟”، أُعيد توجيه تفكيري إلى: “ماذا لو سار كل شيء على ما يرام؟”
اتبع سلسلة الـ “ماذا لو؟” حتى نهايتها: اسأل نفسك: “ماذا لو حدث هذا؟ ثم ماذا؟ وإذا حصل ذلك، فماذا سيحدث بعده؟”
استمر في طرح هذه الأسئلة حتى تصل إلى نتيجة أو نهاية، واسأل نفسك: هل يمكنني التعايش مع هذه النتيجة؟
حاول التفكير أيضًا في أفضل السيناريوهات الممكنة، وليس فقط في الأسوأ، ما الذي قد يحدث ويكون إيجابيًا؟ هل أستطيع أن أتوقع شيئًا سعيدًا بدلًا من أن أتوقع الألم فقط؟
- أنشئ نظام دعم شخصي (صديق داعم)
القلق السلبي يشتد ويتفاقم عند العزلة لذا، أنشئ نظام دعم مع شخص تثق به يمكنه أن يُقدّم لك منظورًا مختلفًا، فكّر: من يمكنني الاتصال به أو مراسلته عندما أكون عالقًا في دوامة القلق السلبي؟ هل لدي معالج نفسي، أو مدرّب، أو مستشار يمكنه مساعدتي؟ سواء كنت تقلق بشأن الكمالية، أو العلاقات الشخصية من هو الشخص الذي يمكن أن يكون حليفك في تلك اللحظات؟
- ضع خطة
ضع خطة لمساعدتك على الخروج من دوامة التفكير الكارثي في المرة القادمة، ابدأ بكتابة قائمة بالأفعال التي تُساعدك على تهدئة نفسك عند ظهور القلق، ضع هذه القائمة في مكان يسهل الوصول إليه، مثل ملاحظة على هاتفك أو ورقة لاصقة في المنزل، يمكن أن تتضمّن خطتك عبارات لطمأنة النفس مثل: “أنا خائف، لكنني أعرف كيف أكون شجاعًا.” أو “الأمور ستتحسن، فقط استمر في التنفس.” كما يمكن أن تشمل قائمة بأنشطة تُخفف من ردود فعلك التلقائية، مثل: شرب كوب ماء، المشي في الخارج، اللعب مع حيوانك أليف أو أي نشاط آخر يساعدك على التهدئة، إليك بعض الأفكار الإضافية:
- ممارسة الرياضة: ممارسة التمارين الرياضية يوميًا تُحفّز إفراز الإندورفين، وهي مواد كيميائية تمنح الدماغ شعورًا جيدًا عندما أستيقظ بشعور سلبي، فإن الجري أو ركوب الدراجة يساعدني على الخروج من حالة الذهن السلبية.
- إنشاء قائمة تشغيل موسيقية: قسّم الأغاني على هاتفك إلى قوائم حسب المزاج، مثل: “أغاني الغضب”، “أغاني الحزن”، “أغاني الفرح”، “أغاني للتوقف عن القلق”، وغيرها.
- ممارسة اليقظة الذهنية: استخدم التأمل، أو اليوغا، أو استمع إلى تغريد الطيور، أو اشرب كوب شاي ببطء، أو حلّ الكلمات المتقاطعة، أو العب ألعابًا عقلية مثل Wordle — أي نشاط يُساعدك على كسر نمط التفكير السلبي.
- جرب مثلث التنفس: استنشق الهواء ببطء حتى تعدّ إلى 4، ثم احبس النفس حتى تعدّ إلى 4، ثم ازفر ببطء حتى تعدّ إلى 6 و كرر هذه العملية عدة مرات.
في النهاية، أفضل وسيلة للتعامل مع التفكير الكارثي هي أن تُطلق سراح القلق السلبي بدلًا من أن تحمله معك، القلق السلبي يقول لك: “قد يحدث شيء سيء، ولن تستطيع التعامل معه.” لكن بدلاً من أن تستمع لهذا الصوت أو تصدقه، قل لنفسك: “أنا قادر على تجاوز هذا، سأتمسك بشجاعتي وأمضي قدمًا.”
المرجع:
How to Stop Catastrophizing: A Guide for ADHD Worriers
https://www.additudemag.com/catastrophizing-worrying-negative-thoughts-adhd/





