ترجمة : أ. نوره الدوسري
تُعد التربية من أكثر المسؤوليات حساسية وتعقيدًا، فهي تقوم على تحقيق توازن دقيق بين تقديم الحماية والدعم من جهة، ومنح الاستقلالية والثقة من جهة أخرى. كثير من الآباء ينطلقون في أسلوبهم التربوي من نوايا صادقة مليئة بالحب والحرص، إلا أن هذا الحرص قد يتحول أحيانًا إلى حماية مفرطة تؤثر سلبًا في النمو النفسي والاجتماعي للأبناء. يشير مختصو الرعاية الصحية إلى أن حماية الطفل أمر ضروري، لكن الإفراط فيها قد يحدّ من قدرته على التكيف مع متطلبات الحياة وبناء شخصيته المستقلة.
ما المقصود بالآباء المفرطين في الحماية؟
الآباء المفرطون في الحماية هم أولئك الذين يتجاوزون حدود الرعاية الطبيعية، فيسعون إلى حماية أبنائهم من كل تجربة قد تتضمن فشلًا أو خطأً أو شعورًا بعدم الارتياح. غالبًا ما يعتقد هؤلاء الآباء أنهم يضمنون مستقبلًا آمنًا لأبنائهم، إلا أن هذا الأسلوب قد يحرم الطفل من فرص التعلم من التجربة والخطأ. يوضح المختصون أن هذا النمط التربوي يكون في العادة نابعًا من الخوف، سواء الخوف من تعرّض الطفل للأذى، أو من فشله، أو من نظرة المجتمع. ومع مرور الوقت، يؤدي التحكم المفرط في قرارات الطفل وحياته اليومية إلى إضعاف مهاراته في حل المشكلات، واتخاذ القرار، وبناء الثقة بالنفس.
الآباء المفرطون في الحماية خلال مرحلة العشرينات
لا ينتهي تأثير الحماية المفرطة عند مرحلة الطفولة أو المراهقة، بل قد يمتد إلى مرحلة الشباب وبداية الرشد. تُعد العشرينات مرحلة محورية لاكتشاف الذات، وبناء الهوية، واتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية. عندما يستمر الآباء في التدخل الزائد خلال هذه المرحلة، قد يشعر الشاب أو الشابة بالعجز أو الاعتماد المفرط على الأسرة. تشير الدراسات إلى أن الشباب الذين نشأوا في بيئة يغلب عليها التحكم الأبوي يعانون من صعوبات في الدفاع عن أنفسهم، وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب. ويؤكد المختصون أهمية انتقال دور الوالدين من دور الحامي المتحكم إلى الداعم والمساند، بما يسمح للأبناء بالنمو باستقلالية مع الشعور بالأمان العاطفي.
لماذا يكون بعض الآباء مفرطين في الحماية؟
يتساءل كثير من الأبناء: لماذا يتصرف والدانا بهذا القدر من الحذر والسيطرة؟ في الواقع، تعود أسباب الحماية المفرطة إلى مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية. من أبرز هذه الأسباب الخوف من فشل الأبناء، حيث يعتقد بعض الآباء أن دورهم يتمثل في منع أي تجربة قد تؤدي إلى الإخفاق. كما أن التجارب الشخصية الصعبة أو الصدمات السابقة قد تجعل الوالدين أكثر حساسية تجاه المخاطر. إضافة إلى ذلك، تلعب الضغوط المجتمعية والإعلام دورًا كبيرًا في تضخيم المخاوف، خاصة مع كثرة الأخبار السلبية. وقد يكون القلق غير المعالج لدى الوالدين سببًا مباشرًا في إسقاط مخاوفهم على أبنائهم، فضلًا عن السعي إلى الكمال والرغبة في تقديم صورة مثالية للأسرة والطفل.
علامات الآباء المفرطين في الحماية
قد يكون من الصعب أحيانًا التمييز بين الحماية الطبيعية والحماية المفرطة، خاصة عندما تُقدَّم على أنها اهتمام وحب. من أبرز العلامات المتكررة المراقبة الدائمة لتحركات الطفل وتفاصيل حياته اليومية، سواء عبر المكالمات المستمرة أو الرسائل أو وسائل التتبع. كما يظهر هذا الأسلوب في منع الطفل من اتخاذ قرارات تناسب عمره، أو التدخل في حل مشكلاته بدلًا من تعليمه كيفية التعامل معها. وضع قواعد صارمة وغير مرنة، والتحكم في الصداقات، والتخطيط المسبق لمستقبل الطفل دون مراعاة ميوله، كلها مؤشرات واضحة على الحماية الزائدة. وغالبًا ما يستخدم الآباء في هذا النمط لغة قائمة على التخويف والتركيز على المخاطر بدلًا من الفرص.
الآثار النفسية للصرامة والحماية المفرطة
على الرغم من أن الصرامة والحماية الزائدة تنبعان من نية حسنة، إلا أن لهما آثارًا نفسية طويلة المدى. من أكثر هذه الآثار شيوعًا زيادة مستويات القلق، حيث يشعر الطفل بعدم الجاهزية لمواجهة الحياة دون مساعدة. كما قد تتأثر الثقة بالنفس، إذ يتلقى الطفل رسالة غير مباشرة مفادها أنه غير قادر على اتخاذ قرارات سليمة. يعاني كثير من الأبناء أيضًا من صعوبات في اتخاذ القرار، والاعتماد الزائد على موافقة الوالدين، والخوف الشديد من الفشل. وفي بعض الحالات، قد يتطور الأمر إلى مشاعر استياء أو تمرد تجاه السلطة. ويؤكد المختصون أن قلة التعرض للتحديات تحرم الطفل من تطوير المرونة النفسية والقدرة على التكيف.
هل يمكن أن تسبب الحماية المفرطة القلق الاجتماعي؟
تشير الأبحاث إلى وجود علاقة قوية بين الحماية المفرطة وظهور القلق الاجتماعي. عندما يُمنع الطفل من خوض تجارب اجتماعية طبيعية أو يتم التدخل المستمر في تفاعلاته مع الآخرين، قد يكتسب قناعة بأن العالم الخارجي غير آمن. هذا التصور يزيد من الخوف من التقييم السلبي، ويؤدي إلى تجنب المواقف الاجتماعية. الأطفال الذين نشأوا في بيئة مفرطة في الحماية قد يواجهون صعوبة في تكوين الصداقات، والشعور بالراحة في البيئات الجديدة. لذلك يشدد المختصون على أهمية تعريض الطفل تدريجيًا لمواقف اجتماعية مناسبة لعمره، بما يعزز ثقته بنفسه وقدرته على التواصل.
كيف تتعامل مع الآباء المفرطين في الحماية؟
التعامل مع هذا النوع من الآباء يتطلب صبرًا ووعيًا عاليين. من المهم البدء بالتواصل المفتوح والصادق، مع التعبير عن المشاعر دون اتهام أو تصعيد. وضع حدود واضحة بطريقة محترمة يساعد على خلق مساحة للاستقلالية، مع طمأنة الوالدين بالتحلي بالمسؤولية. كما أن إثبات القدرة على اتخاذ قرارات سليمة والالتزام بالمسؤوليات يعزز ثقة الوالدين. في بعض الحالات، قد يكون من المفيد الاستعانة بمختص أسري للمساعدة في تحسين نمط التواصل وبناء علاقة أكثر توازنًا.
متى يجب على الآباء التخفيف من الحماية الزائدة؟
لا يوجد عمر محدد ينطبق على جميع الأطفال، فالنضج يختلف من شخص لآخر. إلا أن المختصين يرون أن مرحلة المراهقة تمثل نقطة تحول مهمة يجب خلالها منح الطفل مزيدًا من الاستقلالية بشكل تدريجي. ومع الانتقال إلى مرحلة الرشد، ينبغي أن يقتصر دور الوالدين على التوجيه والدعم بدلًا من التحكم. هذا الانتقال ضروري لإعداد الأبناء لحياة مستقلة ومسؤولة.
ما مقدار الحرية المناسب للطفل؟
تعتمد الحرية المناسبة على عمر الطفل ومستوى نضجه وقدرته على تحمل المسؤولية. يحتاج الأطفال الصغار إلى حدود واضحة تضمن سلامتهم، بينما يستفيد المراهقون من فرص اتخاذ القرار وتحمل نتائج اختياراتهم. إن منح الحرية المناسبة يعزز الثقة المتبادلة، ويساعد الطفل على النمو في بيئة يشعر فيها بالدعم دون سيطرة مفرطة. الهدف الأساسي هو تمكين الطفل من الاستكشاف والتعلم مع وجود سند أسري داعم.
الخلاصة
الحماية المفرطة، رغم كونها نابعة من الحب والخوف على الأبناء، قد تعيق نموهم النفسي والاجتماعي وتحدّ من استقلاليتهم. إن تحقيق التوازن بين الرعاية والحرية هو الأساس في بناء علاقة صحية بين الآباء والأبناء. فالتربية ليست حماية الطفل من كل تحدٍ، بل تزويده بالأدوات والمهارات التي تمكّنه من مواجهة الحياة بثقة، مع شعوره الدائم بوجود دعم أسري آمن.
المرجع
Overprotective Parents: Signs & Effects
https://faithbehavioralhealth.com/overprotective-parents/





