ترجمة: أ. رزان بن دهر
الدكتور تيري إيلز، الحاصل على درجة الدكتوراه، يعرف تمامًا أن تربية الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ليس بالأمر السهل، فقد كان في طفولته واحدًا من هؤلاء الأطفال المفعمين بالحيوية والمندفعين، ونشأ في مدينة شيكاغو، ولم يُشخّص رسميًا باضطراب ADHD، لكنه عانى من مشكلات سلوكية وانفعالية حادة حتى أواخر العشرينات من عمره.
اليوم، يعيش إيلز حياة مستقرة وناجحة، فهو متزوج منذ 28 عامًا وأب لثلاثة أطفال، ويعمل كأخصائي نفسي في المدارس بمدينة سولت ليك، كما يدرّس دورات تدريبية حول تربية الأطفال المشخصين بفرط الحركة وتشتت الانتباه، ويشغل منصبًا في مجلس إدارة جمعية CHADD المتخصصة في دعم الأشخاص المشخصين بـ ADHD.
لقد ساعدته تجاربه الشخصية والمهنية على فهم تحدي شائع يواجهه العديد من الأهالي وهو: كيفية تعزيز التزام الطفل بالتعليمات والسلوك المناسب. بكلمات أخرى: كيف يمكن للأهالي جعل أطفالهم يقومون بما يُطلب منهم؟
أنت تعمل بشكل مباشر مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات في المدرسة، لماذا ترى أنه من المهم إشراك الوالدين؟
لأن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هو اضطراب مزمن لا يظهر في المنزل فقط، بل يمتد تأثيره إلى المدرسة وساحة اللعب وكل بيئة يتواجد فيها الطفل، لذلك، لا يمكن التعامل معه من قبل جهة واحدة فقط، بل يتطلب تعاون فريق متكامل من المحيطين بالطفل لمساعدته على اكتساب السلوكيات المناسبة، ويجب أن يرى الأهالي أنفسهم قادة هذا الفريق — هم من يوجّهون العملية ويدفعونها للأمام.
عندما يأتي إليّ الأهالي لطلب المساعدة، فإن أول ما أفعله غالبًا هو أخذ “تاريخ عائلي” من الوالدين، وهذا يعني الجلوس معهم لمدة 45 دقيقة تقريبًا لمناقشة المشكلات السلوكية المحددة التي يعاني منها طفلهم، والاستراتيجيات التربوية التي جربوها، وما الذي قد يكون سببًا في ظهور هذه المشكلات.
بما أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه غالبًا ما يكون وراثيًا، أراهن أن العديد من أهالي الأطفال المشخصين بـ ADHD يعانون هم أنفسهم من مشكلات سلوكية
هذا صحيح ولذلك كثيرًا ما يحتاج هؤلاء الأهالي إلى تدريب رسمي على الاستراتيجيات الأكثر فاعلية لتربية طفل مشخص بـ ADHD يُعرف هذا التدريب باسم “تدريب الوالدين على إدارة السلوك” أو PMT، ويهدف إلى تزويد الوالدين بالأدوات التي تساعدهم على تغيير سلوكهم أولًا، حتى يتمكنوا من مساعدة أطفالهم على تغيير سلوكهم أيضًا، فالأطفال المشخصين بـ ADHD يكونون أكثر استعدادًا للتعاون عندما يستمع إليهم الوالدان، ويُظهرون التعاطف، ويشرحون توقعاتهم بوضوح، ويتبعون ذلك بعواقب مباشرة ومناسبة.
هل يمكنك إعطاء مثال؟
عندما يطلب الأهالي من طفلهم القيام بشيء معين، فإنهم عادة ما يطلبونه بطريقة مختلفة كل مرة، في مرة قد يقولون: “أطفئ التلفاز”، وفي مرة أخرى: “ماذا قلت لك عن مشاهدة التلفاز في هذا الوقت؟”، أو “هل يمكنك من فضلك إطفاء التلفاز؟” معظم الأطفال لا يجدون صعوبة في فهم الرسالة الأساسية، لكن الطفل المشخص بـ ADHD قد لا يكون لديه تقدير جيد للموقف، وقد لا يكون بارعًا في فهم نبرة الصوت أو الإشارات الأخرى التي توضح أن والديه جادين في طلبهم، ولهذا قد لا يستجيب، ليس لأنه يتعمد التحدي بل لأنه لا يدرك أن ما قيل له كان أمرًا حازمًا، قد يفكر: “هل من الضروري فعل هذا الآن؟” أو قد تبدو الكلمات بالنسبة له وكأنها ضجيج في الخلفية — مثل صوت مروحة تعمل باستمرار.
كيف يمكن للوالدين التأكد من أن طفلهما يسمع الأوامر ويفهمها؟
الحل يكمن في استخدام نفس الصيغة الأساسية للجملة عند إصدار الأوامر في كل مرة، على سبيل المثال: “جستن، عليك أن تطفئ التلفاز” أو “جستن، عليك أن تضع حذاءك في الخزانة.” عندما يلتزم الوالدان بهذه الطريقة باستمرار، يبدأ الطفل في إدراك أن كل مرة يسمع فيها اسمه متبوعًا بعبارة “عليك أن…”، فهذا يعني أنه يجب أن ينفذ الأمر، وإذا التزم الطفل، فإنه يحصل على نقطة تُحسب له نحو مكافأة معينة، أما إذا لم يستجب، فإنه يواجه نتيجة سلبية، وغالبًا ما تكون هذه النتيجة إما “وقت الاستقطاع” (time-out) أو، بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا، فقدان بعض الامتيازات.
ما المدة المناسبة لـ”وقت الاستقطاع”؟
عادةً أوصي بألا تتجاوز المدة 60 ثانية لكل سنة من عمر الطفل — على سبيل المثال، خمس دقائق لطفل يبلغ من العمر خمس سنوات، وغالبًا ما تكون 30 ثانية لكل سنة من عمر الطفل مدة أكثر منطقية، لكن المهم ليس هو طول مدة العقوبة، بل أن يرى الطفل الأب أو الأم يتحكمون بالموقف، وأنهم قادرين على إيقاف السلوك غير المناسب والحصول على التزامه.
ما الذي يمكن للوالدين فعله أيضًا لمنع الأطفال من التصرف بشكل غير لائق؟
من المهم أن يدرك الأهالي أن كثيرًا من السلوكيات التي يصفونها بأنها “غير لائقة” ليست كذلك فعلاً، إنها فقط غير مناسبة في ذلك الوقت أو في ذلك المكان المحدد.
يحتاج الأطفال إلى التعبير عن أنفسهم، ويجب على الوالدين أن يوفروا لهم الفرصة للقيام بذلك، فإذا كان طفلك بحاجة إلى اللعب العنيف أو التفريغ الجسدي، يمكنك مثلاً وضع كيس ملاكمة في غرفة معينة، وإذا كان طفلك يستمتع بتفكيك الأجهزة، فإن من غير المجدي أن تطلب منه ببساطة التوقف عن ذلك، بل من الأفضل أن توفر له صندوقًا يحتوي على مكانس كهربائية أو محمصات خبز قديمة، وتحدد له غرفة أو مساحة مخصصة يُسمح له فيها بتفكيك تلك الأشياء، الرسالة التي يجب أن تصل للطفل هي: “في منزلنا، سنوفر لك طريقة مناسبة لتلبية احتياجاتك، ولكننا لن نسمح لك بتلبية تلك الاحتياجات بطريقة غير مناسبة.”
وماذا عن الطفل الذي يصرخ ويشتم؟
أشجّع الوالدين على الجلوس مع الطفل في وقت يكون فيه هادئًا، ويقولان له شيئًا مثل: “أعرف أن هناك الكثير من الأمور التي قد تزعجك، لكنك الآن تقوم بأشياء لا يمكننا السماح بها داخل البيت، دعنا نفكر معًا في طرق تستطيع استخدامها عندما تكون غاضبًا.”
مثل ماذا؟
ربما يكون بعض “النداء بالأسماء” أو التذمر مقبولاً إلى حدٍ ما، ففي النهاية، كل الأطفال يشعرون بالغضب من والديهم أحيانًا، والأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هم أكثر عرضة للشعور بالغضب والإحباط من غيرهم، لذلك، من غير المنطقي أن تطلب من طفلك ألا يغضب منك أبدًا، لكن المنطقي هو أن تساعده في إيجاد طرق مقبولة للتعبير عن غضبه.
أليست هذه طريقة تؤدي إلى سلوكيات أسوأ؟
ليس بالضرورة فالجميع بحاجة لتعلم طرق مناسبة للتعبير عن المشاعر السلبية، أما الأطفال المشخصين بفرط الحركة وتشتت الانتباه فهم يتعلمون ذلك ببطء، ولا يستطيعون فعلها دون مساعدة، وأحد الطرق الجيدة لتقديم هذه المساعدة هو من خلال برنامج حوافز أو مكافآت، على سبيل المثال، اتفقت مع ابني على أنه مقابل كل ساعة لا يناديني فيها بألفاظ سيئة، يحصل على نقاط تُحتسب نحو مكافأة.
أطلب من الأهالي أن يجلسوا مع أطفالهم ويصنعوا معًا قسائم للمكافآت — تكون على شكل أشياء يحب الطفل فعلها، مثل: السهر في عطلة نهاية الأسبوع، أو تناول البيتزا، أو الحصول على 5 دولارات، الفكرة الأساسية هي تحفيز الطفل على تعلّم ضبط النفس.
ألن يشعر الإخوة غير المشخصين بـ ADHD بالغيرة من هذه المكافآت؟
العدالة لا تعني المساواة التامة، أنا أعرّف العدالة بأنها إتاحة فرص متكافئة للنجاح داخل الأسرة، كل طفل يجب أن يحصل على نفس القدر من الحب، والاهتمام، والمكافآت، لكن قد تكون هناك توقعات مختلفة من كل طفل، فمثلًا، قد يُطلب من “سوزي” تنظيف غرفتها بالكامل، بينما يُطلب من “بن” فقط تنظيف زاوية واحدة.
هل من الممكن أن يكون الوقت قد فات؟
لا أقول إن الوقت يفوت تمامًا، لكن كلما تأخرتِ، زاد عدد السلوكيات التي يحتاج الطفل إلى “إلغاء تعلمها”، من الأفضل وضع حدود واضحة وثابتة في وقت مبكر قدر الإمكان، إذا انتظرت حتى سن المراهقة، ستكون المهمة أصعب بكثير.
كيف تصف منهجك في التربية بشكل عام؟
إذا ساعد الوالدان الطفل على أن يشعر بأنه محبوب، ومهم، وقادر، سيكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والصعوبات التي يمر بها الأطفال المشخصين بفرط الحركة وتشتت الانتباه.
المرجع:
How to Encourage Good Behavior in Children with ADHD
https://www.additudemag.com/adhd-behavior-expert-discipline-skills/





