ترجمة: أ. رزان بن دهر
ازدادت الضجة مؤخرًا حول التصوير العصبي — وبشكل خاص حول وعوده كأداة لفهم اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه — بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة يعمل الباحثون حاليًا على تحديد كيف يمكن لتقنيات التصوير العصبي، بما في ذلك التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتقنيات أخرى، أن تكشف عن رؤى متعلّقة ببنى الدماغ والمؤشرات البيولوجية التي قد تكون مرتبطة بـ ADHD وبجوهر الأمر، يتيح التصوير العصبي جمع قياسات بيولوجية للدماغ، بهدف تعزيز فهمنا للأسس البيولوجية لاضطراب ADHD، وربما تمهيد الطريق لتطبيق هذه النتائج في المجال الإكلينيكي من أجل التشخيص والعلاج.
خلال السنوات الأخيرة، أظهرت دراسات التصوير العصبي المتعلّقة بـ ADHD تطوّرات مهمّة واتجاهات واعدة لمزيد من البحث، بالتوازي مع محاولات للتغلّب على مجموعة من التحديات والقيود والمعوّقات أمام الوصول إلى تحليلات دقيقة وتطبيقات ذات معنى.
التصوير العصبي وADHD: التطوّرات والتحديات
من خلال تحديد المؤشرات البيولوجية الخاصة بـ ADHD، يمكن للباحثين أن يقدّموا طرقًا جديدة وأكثر دقة لوصف هذا الاضطراب المتنوّع، الذي يبدو أنّ جذوره تمتد عبر العوامل الجينية والبيئية والعصبية معًا، ويمكن الاستفادة من القياسات الدماغية لتطوير مؤشرات حيوية (Biomarkers) أساسية، تشمل:
- المؤشرات التشخيصية (Diagnostic biomarkers): وهي التي تربط بين قياس بنية دماغية معيّنة أو نمط نشاط أو توصيل عصبي وبين فئة تشخيصية محدّدة.
- مؤشرات الاستجابة/الديناميكا الدوائية (Pharmacodynamic/response biomarkers): تكشف عمّا إذا كانت الاستراتيجيات العلاجية تؤثر فعلًا في الآليات الدماغية المستهدفة، مع إمكانية انعكاس ذلك على الأعراض وشدة الاضطراب.
- المؤشرات التنبؤية (Prognostic biomarkers): تتنبأ بتطوّر نمط ظاهري (Phenotype) أو بظهور اضطراب مرافق (Comorbid disorder) في المستقبل.
في نهاية المطاف، يأمل العلماء أن تُستخدم هذه المؤشرات الحيوية (Biomarkers) في مجالات مثل الكشف المبكر وتصنيف الحالات، وكذلك في الكشف عن الأساس الذي يفسّر تنوّع مظاهر اضطراب ADHD، بما قد يُسهم في تحسين أساليب التشخيص والعلاج.
لقد ظهرت في السنوات الأخيرة تطوّرات واكتشافات مهمّة في مجال التصوير العصبي لاضطراب ADHD فقد أظهرت الدراسات فروقًا بُنائية في عدة مناطق من الدماغ، خصوصًا لدى الأطفال المشخصين بالاضطراب فعلى سبيل المثال، قدّم استعراض بحثي عام 2015 ملخصًا لآليات الدماغ عبر تقنيات متعددة، وبيّن الفوارق بين الأفراد السليمين والمشخصين بـ ADHD.
ومع ذلك، ما زالت نتائج وأدبيات التصوير العصبي لاضطراب ADHD تعاني من قيود عديدة، منها — على سبيل المثال لا الحصر:
- صغر حجم العينة في الغالبية العظمى من الدراسات، مما قد يؤدي إلى تضخيم حجم التأثيرات المرصودة في تغيّرات الدماغ، وإلى الفشل في اكتشاف تغيّرات أخرى محتملة.
- التركيز المفرط على الأطفال المشخصين بـ ADHD، في حين تبقى الفئات العمرية الأخرى — المراهقون والبالغون — أقل بحثًا ودراسة.
- التركيز التقليدي على رسم الخرائط الدماغية منطقةً تلو الأخرى بدلًا من النظر إلى الدماغ ككل، وكيفية تفاعل أجزائه معًا وقد أدّى ذلك إلى مشكلات مثل: نتائج يصعب تكرارها، ضعف الموثوقية، وانخفاض قوة الاستدلال في الدراسات صغيرة العينة، إضافة إلى مشكلات أخرى.
أحجام العينات والتأثيرات الصغيرة
تُعدّ أحجام العينات الكبيرة ضرورية من أجل إجراء تحليل قوي وموثوق في دراسات التصوير العصبي، وفي سعيه للعثور على مؤشرات دماغية مرتبطة باضطراب ADHD، قد يكون من المفيد لمجال التصوير العصبي أن يعيد ضبط توقعاته بشأن النتائج، وبالأخص ما يتعلّق بحجم التأثيرات المتوقعة، فإحصائيًا، تؤدي العينات الصغيرة إلى تفاوت كبير في النتائج ومعظم الدراسات في هذا المجال لا تتجاوز 100 مشارك، وهو ما ينتج عنه تضخيم لحجم التأثيرات المنشورة، إضافة إلى مشكلة التحيّز للنشر، حيث تميل المجلات إلى نشر النتائج الإيجابية فقط.
يساعد صعود البيانات الضخمة (Big Data) في التصوير العصبي على معالجة هذه الإشكاليات على سبيل المثال، أنشئ اتحاد ENIGMA عام 2009 كشبكة دولية لبيانات تصوير الدماغ، تتيح للباحثين من تخصصات متعددة الوصول إليها، وقد أتاح فريق عمل ENIGMA الخاص بـ ADHD بيانات مهمة مهّدت الطريق لإجراء تحليل ضخم (Mega-analysis) عام 2017 حول أحجام البُنى تحت القشرية (مثل اللوزة الدماغية Amygdala، المهاد Thalamus، وغيرها)، والحُصين (Hippocampus)، والحجم داخل القحف (كمؤشر على الحجم الكلي للدماغ) لدى الأشخاص المشخصين بـ ADHD، بهدف معالجة نقاط الضعف في الدراسات السابقة.
شمل هذا التحليل أكثر من 1,700 مشارك مشخص بـ ADHD و1,500 مشارك غير مشخص، تتراوح أعمارهم بين 4 و63 عامًا وقد كانت هذه الدراسة — الأكبر في مجال ADHD حينها — وخلصت إلى أنّ المشخصين بالاضطراب لديهم انخفاض طفيف في حجم معظم مناطق الدماغ تحت القشرية مقارنة بغير المشخصين، وأظهرت التحليلات الإضافية أن هذه الفروق كانت أوضح لدى الأطفال، بينما تقلّصت بدرجة كبيرة لدى البالغين. كما أكدت الدراسة أنّ حجم العينة ما يزال يمثل تحديًا رئيسيًا في أبحاث التصوير العصبي الخاصة بـ ADHD.
النمذجة التنبؤية والمؤشرات الحيوية
يتقدّم مجال التصوير العصبي بخطى ثابتة نحو تحديد الخصائص التنبؤية والمؤشرات الحيوية لاضطراب ADHD، ففي دراسة أجرتها مجموعة ENIGMA-ADHD عام 2019 على الخصائص القشرية (مثل مساحة سطح مناطق الدماغ وسماكة القشرة)، وشملت أكثر من 2300 مشارك مشخص بـ ADHD وأكثر من 2000 مشارك غير مشخص، وُجد أن الأطفال المشخصين بـ ADHD يمتلكون تراكيب أصغر حجمًا في عدة أجزاء من الدماغ — وبخاصة في: القشرة الجبهية والجبهية الحجاجية (Frontal & Orbitofrontal Cortex)، القشرة الحزامية (Cingulate Cortex)، والقشرة الصدغية (Temporal Cortex) — مقارنةً بغير المشخصين، ورغم أن الدراسة شملت المراهقين والبالغين أيضًا، فإنها لم تجد تأثيرات كبيرة في هذه الفئات، في الواقع، كلما كان الأطفال أصغر سنًا، كان حجم التأثير على بنية الدماغ أكبر، كما كشفت الدراسة عن نتيجة أخرى مهمّة: إذ تبيّن أن الأعراض الحادة لاضطراب ADHD ومشكلات الانتباه، كما تم تقييمها لدى أطفال من عموم السكان، مرتبطة بوجود مساحة سطح دماغية أصغر بشكل ملحوظ في نفس المناطق التي ظهرت متأثرة لدى الحالات المشخصة.
وفي دراسة سابقة للتصوير العصبي تناولت الأعراض السريرية لـ ADHD والاختبارات المعرفية، جرى استخدام عينة أوروبية طولية ضمّت حوالي 2000 طفل (2017)، ووجدت هذه الدراسة أنّ تقييمات الأعراض من قِبل الوالدين والأطفال أنفسهم كانت مرتبطة بشكل سلبي مع حجم المادة الرمادية في القشرة الجبهية أمام الحزامية البطنية-الإنسية (vmPFC) وتدعم هذه النتيجة الدراسات السابقة التي تربط هذه المنطقة باضطراب ADHD، إضافةً إلى ذلك، وجدت الدراسة أن هذه التأثيرات الدماغية يمكن أن تتنبّأ بالأعراض بعد خمس سنوات، ما يشير إلى أن القشرة vmPFC قد تكون مؤشرًا حيويًا (Biomarker) لاضطراب ADHD.
بناءً على نتائج ENIGMA-ADHD لعامي 2017 و2019، استكشفت دراسة متابعة حديثة ما إذا كانت تلك البيانات كافية للتنبؤ بحالة ADHD لدى الأطفال و/أو البالغين، وبعد تطبيق خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning)، وجدت الدراسة أنّ هناك بالفعل قيمة تنبؤية للبيانات لكلتا الفئتين علاوة على ذلك، أظهر نموذج التعلم العميق، عند تدريبه على بيانات البالغين المشخصين بـ ADHD، أنّه قادر على التنبؤ ببيانات الأطفال المشخصين وهذا يوضّح أنه رغم عدم وجود تأثيرات كبيرة في فئة البالغين، فإن هناك معلومات في الدماغ البالغ ترتبط بالاضطراب، ورغم أن هذه التنبؤات غير كافية للاستخدام السريري حاليًا، فإنها تُعد خطوة مهمة نحو النمذجة المستقبلية.
التصوير العصبي وADHD: اتجاهات واعدة
بالنظر إلى القيود الحالية والبيانات المتاحة، إلى أيّ اتجاه يجب أن يتجه بحث التصوير العصبي لاضطراب ADHD؟ وكيف يمكن للباحثين تحسين الدراسات والبدء في إيجاد ارتباطات أقوى وأكثر موثوقية بين قياسات الدماغ وADHD؟ قد يكون الانتباه إلى التنوع الكبير في اضطراب ADHD، مثل تقسيم المشاركين إلى فئات فرعية (Subgrouping)، أحد المسارات الممكنة.
التنوّع (Heterogeneity)
يُعرف اضطراب ADHD بتنوّعه الكبير، حيث تختلف طريقة ظهوره من شخص لآخر ومع ذلك، تفترض الغالبية العظمى من الدراسات التصويرية وجود فارق واضح بين الأشخاص المشخصين به وغير المشخصين، إن جمع جميع الأشخاص المشخصين بـ ADHD معًا — بغض النظر عن الفئات الفرعية والاختلافات الفردية — قد يضعف بشكل كبير قدرتنا على اكتشاف مقاييس ثابتة وموثوقة وذات علاقة بالأعراض.
في الواقع، أظهرت دراسة حديثة استخدمت نموذجًا معيارياً جديدًا على المشاركين المشخصين بـ ADHD أن المجموعة ككل انحرفت عن النموذج، لكن التداخل على المستوى الفردي كان محدودًا، مما يشير إلى أن التنوع في تغيّرات الدماغ قوي بين الأفراد البالغين المشخصين بـ ADHD.
الابتعاد عن نموذج “الشخص المتوسط لـ ADHD” قد يوفّر لمجال التصوير العصبي بيانات أكثر فائدة ورغم أنّ الدراسات التي تركّز على الأفراد ما زالت قليلة، فإن جهود تقسيم المشاركين إلى فئات فرعية (Subgrouping) مستمرة في هذا المجال.
جهود تقسيم الفئات الفرعية
أظهرت دراسة جديدة باستخدام بيانات فريق عمل ENIGMA-ADHD أنّ خوارزميات تقسيم الفئات الفرعية قد تكشف عن حجم تأثير أقوى في دراسات التصوير البنيوي لدماغ المشخصين بـ ADHD قامت الدراسة بتحليل بيانات حجم البُنى تحت القشرية لدى الأولاد المشخصين وغير المشخصين بـ ADHD، مقسّمة إلى ثلاثة مجالات متميزة: العقد القاعدية (Basal Ganglia)، الجهاز الحوفي (Limbic System)، والمهاد (Thalamus). وبناءً على هذه العوامل، كان بالإمكان فصل المشاركين إلى أربع “مجتمعات” أو مجموعات فرعية متميزة، وأظهرت نتائج الدراسة أنّ حجم التأثيرات للفروق بين الحالات والمراقبة كان أكبر داخل كل مجموعة فرعية مقارنة بالحجم في العينة الكاملة.
إنّ الاستمرار في استكشاف وتنظيم المشاركين حسب تنوّع ADHD، بما في ذلك درجة الاختلافات بين الأفراد، قد يوفّر رؤى مهمة لتوجيه أبحاث التصوير العصبي المستقبلية.
المرجع:
Neuroimaging and ADHD: Findings, Limitations, and Promise
https://www.additudemag.com/neuroimaging-adhd-findings-limitations-promise /





