الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه و العلاقة المعقدة مع الحقيقة

 

ترجمة: أ. رزان بن دهر

 

العيش مع اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه يضعنا في مواقف تدفعنا كثيرًا للتساؤل عن علاقتنا بالحقيقة… أحيانًا ، يبدو قول كذبة بيضاء و كأنه نهاية العالم ، و أحيانًا أخرى ، عندما نكون على طبيعتنا تمامًا ، تنقلب الأمور ضدنا و لا نفهم السبب ، نبالغ في التفكير في مواقف اجتماعية قد ينساها معظم الناس بسرعة

يُعتبر الكذب سلوكًا شائعًا لدى الأشخاص المشخصين باضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه (ADHD) ، و غالبًا ما يُنظر إليه على أنه عيب في الشخصية ، و لكن الحقيقة هي أن الأشخاص المشخصين باضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه لا يحرّفون الواقع لأنهم معيبون في شخصيتهم ؛ بل غالبًا ما يكذبون لأسباب مفهومة تمامًا ، و من بينها:

  1. الاندفاعية: قد نقول شيئًا غير صحيح على نحو مفاجئ دون تفكير ، ثم لا نشعر بأننا قادرون على التراجع عنه.
  2. الخوف من العقاب: نحن، الأشخاص المشخصين باضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه ، نعرف جيدًا معنى أن نخطئ و نتعرض للعقاب في المدرسة ، و في المنزل ، و في العمل ، و في الحياة عمومًا ، تحريف الحقيقة يساعدنا على تجنب اللوم ، خاصة عندما لا نتحمل أن نتعرض للانتقاد مرة أخرى.
  3. النسيان: لا نتذكر دائمًا ما قلناه أو فعلناه ، أحيانًا نُقسم بأن شيئًا ما حدث — أو لم يحدث — لمجرد أن ذاكرتنا تخبرنا بذلك ، حتى و إن كان الواقع مختلفًا.
  4. الحساسية من الرفض: ليس مبالغة أن نقول أن بعض الأشخاص يشعرون بأن الرفض يعادل فقدان شخص عزيز ، الخوف من الرفض ، و ما يسببه من ضيق نفسي حقيقي و موهن ، قد يدفعنا إلى قول كذبة مقبولة بدلاً من حقيقة جارحة.

أنا أرتبط بكل هذه الأسباب التي تدفعنا لتحريف الحقيقة ، لكن المسألة أعمق من ذلك — فهي تمس جوانب معقدة و غير معلن عنها في العقد الاجتماعي ، و تتعلق بمدى التزامنا بمشاركة الحقيقة مع الآخرين.

كذب ، أم مشاركة انتقائية؟

 هناك فرق بين الكذب و بين حجب بعض المعلومات ، كشخص يميل إلى الخصوصية ، أنا أنتقي بعناية ما أشارك به الآخرين ، قد أذكر بعض التفاصيل ، و لكن ليس كلها ، و كثيرًا ما اتُّهمت بالكذب فقط لأنني لم أذكر القصة كاملة.
و في أحيان أخرى ، لا يكون السبب الحفاظ على الخصوصية ، بل الحفاظ على طاقتي ، قد أمتنع عن ذكر بعض المعلومات إذا كانت ستتطلب مني التحدث أو التفكير لأطول مما تسمح لي به قدرتي الذهنية في تلك اللحظة.

كذب ، أم حاجة إلى بعض الوقت لمعالجة المعلومات؟

سرعة المعالجة مرتبطة بشكل كبير بموضوع الحفاظ على الطاقة ، فبعقل عصبي مختلف ، يستغرق مني فهم بعض الأمور وقتًا أطول من المعتاد ، و للأسف ، هذا قد يضعني أحيانًا في مواقف غير مريحة يُنظر إلي فيها على أنني أكذب.

أتذكر حادثة وقعت منذ عشر سنوات و ما زالت تؤلمني حتى اليوم ، قبل أحد المناسبات ، ظننت أنني أشرت إلى رغبتي في أضلاع اللحم في بطاقة تأكيد العشاء ، لكن تبيّن أنني طلبت قطعة لحم في يوم المناسبة ، كنت مقتنعة تمامًا بأنني طلبت أضلاع اللحم ، و عندما وصل طبقي قلت لمنسقة الحدث: “لم أطلب هذا.”
فردّت قائلة: “بل فعلتِ” ، و أضافت أنه كان عليّ فقط أن أقول إنني لا أريد الطبق بدلًا من التظاهر بأنني لم أطلبه.

تجمدت في مكاني ، و كنت مشوشة ، و انزعجت من رد فعلها ، ثم تم وصفي بالكاذبة ، كنت بحاجة إلى دقيقة واحدة فقط لأستوعب ما حدث وأشرح موقفي، لكن لم يُمنح لي ذلك. فاستسلمت و قلت: “لا أريده.”

و الآن تخيّل أنني نشأت و أنا أعاني من اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه غير مشخص ، حيث تكررت مثل هذه التجارب مرارًا و تكرارًا.

الحقيقة الكاملة ، ولا شيء غيرها؟

 أنا شخص يميل إلى الخصوصية ، و يرجع ذلك جزئيًا إلى معاناتي الدائمة مع الشعور بأنني أتحدث أكثر من اللازم ، دائمًا ما أخشى أن أشارك أكثر مما ينبغي.

مؤخرًا ، سألني أحد الأصدقاء عن الميداليات المعلّقة على جدراني ، لدي ميداليات حصلت عليها لإكمال جولات افتراضية من خلال تحديات The Conqueror، وأخرى من محطات مهمة في رحلة التعافي من الإدمان.
في تلك اللحظة، تحدثت فقط عن النوع الأول من الميداليات.

هل كان من الخطأ أن أُغفل حقيقة أن بعض الميداليات تمثّل تحرّري من المواد المؤثرة على العقل؟ أنا لا أشعر بأي خجل تجاه تلك الميداليات — بل على العكس، أشعر بالفخر لأنني متعافية، والجميع ، بما فيهم هذا الصديق، يعرف أنني توقفت عن تعاطي الكحول وكل ما يغيّر حالتي الذهنية.

لكنني لم أذكر تلك الميداليات لأنني كنت أعلم أن الحديث عنها قد يفتح بابًا لحوار أطول، و قد أبدأ في الثرثرة أو أخرج عن الموضوع، أو ربما، من دون قصد، أغوص في تفاصيل مؤلمة لا أريد مشاركتها في تلك اللحظة، ومع ذلك، إذا كنا نتحدث عن صديق مقرب، أليس من المفترض أن أشعر بالراحة في الإفصاح؟ هل يُعدّ إخفائي لتلك التفاصيل نوعًا من الكذب؟

كذب، أم أن الآخرين لا يحسنون الظن بنا؟

 العيش مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يضعنا في مواقف تجعلنا كثيرًا ما نُراجع علاقتنا بالحقيقة، أحيانًا نحجب بعض المعلومات خوفًا من الإفراط في الحديث، ثم نكتشف لاحقًا أن تلك المعلومات كانت جوهرية لفهم القصة، وأحيانًا أخرى نُخفي شيئًا لأننا لا نشعر بالراحة في مشاركته، في بعض المواقف، قد يبدو قول كذبة بيضاء كأنه نهاية العالم، وفي أحيان أخرى، عندما نُظهر أنفسنا على حقيقتها، تنقلب الأمور ضدنا، ولا نفهم السبب، فنُفرط في تحليل مواقف اجتماعية ينساها الآخرون بسرعة.

ومهما كانت دوافعنا لتحريف الحقيقة أو إخفائها، من المحبط و الجارح أن يُنظر إلينا و كأننا أشخاص سيئون نحاول الخداع و الإيذاء عمدًا،  ما نحتاجه — وما كنا بحاجة إليه دائمًا — هو حُسن الظن.

المرجع:

“ADHD and My Complicated Relationship with the Truth”

https://www.additudemag.com/why-do-people-with-adhd-lie/