الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العوامل النفسية المؤثرة في شدة أعراض متلازمة القولون العصبي


ترجمة : أ. نوره الدوسري

مقدمة
تُعد متلازمة القولون العصبي من أكثر الاضطرابات الوظيفية شيوعًا في الجهاز الهضمي، وهي حالة مزمنة تتميز بآلام متكررة في البطن مصحوبة بتغيرات في نمط الإخراج، مثل الإسهال أو الإمساك أو التناوب بينهما. وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه المتلازمة بين مختلف الفئات العمرية، فإن أسبابها لا تزال غير واضحة بشكل قاطع، إذ لا يظهر لدى معظم الأفراد المشخصين بها أي خلل عضوي يمكنه تفسير الأعراض بشكل مباشر.
خلال السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام العلمي بدراسة العوامل النفسية المرتبطة بمتلازمة القولون العصبي، حيث أظهرت العديد من الدراسات أن الجوانب النفسية تلعب دورًا محوريًا في نشأة الأعراض وشدتها واستمرارها، بل وفي استجابة الأفراد للعلاج. ويأتي هذا الاهتمام في إطار التوجه نحو النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي، الذي يؤكد أن الاضطرابات الصحية لا يمكن فهمها بمعزل عن التفاعل بين العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية.

متلازمة القولون العصبي ومحور الدماغ–الأمعاء
يعتمد التفسير الحديث لمتلازمة القولون العصبي على مفهوم محور الدماغ–الأمعاء، وهو نظام تواصلي ثنائي الاتجاه يربط بين الجهاز العصبي المركزي والجهاز الهضمي. يعمل هذا المحور على تنظيم حركة الأمعاء، وإفرازاتها، وحساسيتها للألم، ويتأثر بشكل مباشر بالحالة النفسية للفرد.
تشير الأبحاث إلى أن التوتر والقلق والانفعالات السلبية يمكن أن تؤدي إلى اضطراب هذا المحور، مما يسبب زيادة حساسية الأمعاء للمثيرات الطبيعية، وبالتالي تضخيم الإحساس بالألم والانزعاج. كما يفسر هذا النموذج سبب اختلاف شدة الأعراض بين الأفراد المشخصين بنفس الحالة، حيث تختلف استجابتهم النفسية للضغوط والمواقف الحياتية.

التوتر والأحداث الحياتية الضاغطة
يُعد التوتر النفسي من أكثر العوامل ارتباطًا بتفاقم أعراض متلازمة القولون العصبي. فقد أظهرت الدراسات أن الأعراض تميل إلى التذبذب، حيث تزداد حدة خلال فترات الضغط النفسي وتخف نسبيًا في الفترات الأكثر استقرارًا. ويشمل ذلك الضغوط المرتبطة بالعمل، والمشكلات الأسرية، والتحديات الاجتماعية المختلفة.
ولا يقتصر تأثير التوتر على الضغوط الحالية فقط، بل يمتد ليشمل الخبرات الحياتية السابقة، حيث تشير الأدلة إلى أن التعرض لأحداث حياتية ضاغطة متكررة قد يؤدي إلى زيادة الاستعداد النفسي لتفسير الإحساسات الجسدية على أنها مؤلمة أو مقلقة. كما أن بعض الأفراد يظهرون استجابة فسيولوجية مبالغًا فيها للتوتر، مما يؤدي إلى تفاعل أشد في الجهاز الهضمي مقارنة بغيرهم.

سمات الشخصية ودورها في شدة الأعراض
تلعب سمات الشخصية دورًا مهمًا في تفسير الفروق الفردية في شدة أعراض القولون العصبي. وتُعد العصابية من أبرز السمات التي تمت دراستها في هذا السياق، حيث تشير إلى ميل الفرد لتجربة المشاعر السلبية بشكل متكرر، مثل القلق، والحزن، والغضب.
الأفراد ذوو المستويات المرتفعة من العصابية يكونون أكثر حساسية للتوتر، وأكثر ميلًا لمراقبة أحاسيسهم الجسدية بشكل دقيق، مما قد يؤدي إلى تضخيم الإحساس بالأعراض. وقد أظهرت الدراسات أن العصابية لا تؤثر بشكل مباشر فقط، بل تسهم في زيادة القلق، والذي يلعب بدوره دورًا وسيطًا في التأثير على شدة الأعراض.

القلق كعامل نفسي وسيط
يُعتبر القلق من العوامل النفسية الأساسية المرتبطة بمتلازمة القولون العصبي، وقد وُجد أنه يؤثر في شدة الأعراض بشكل غير مباشر من خلال تفاعله مع عوامل نفسية أخرى. فالأفراد الذين يعانون من مستويات مرتفعة من القلق يكونون أكثر عرضة لتبني أنماط غير تكيفية في التعامل مع الألم والانزعاج الجسدي.
كما تشير النتائج إلى أن القلق يتأثر بسمات الشخصية والأحداث الحياتية الضاغطة، مما يجعله حلقة وصل بين العوامل النفسية الثابتة نسبيًا والعوامل الأكثر قابلية للتغيير. ويسهم القلق في زيادة التركيز على الأعراض الجسدية، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الإحساس بها وزيادة تأثيرها على الحياة اليومية.

تضخيم الألم كاستراتيجية غير تكيفية
يُقصد بتضخيم الألم أسلوب نفسي غير تكيفي في التعامل مع الألم، يتمثل في المبالغة في تقدير شدته، وتوقع أسوأ النتائج، والشعور بالعجز عن السيطرة عليه. وقد بينت الدراسات أن تضخيم الألم يُعد من أقوى العوامل النفسية المرتبطة بشدة أعراض القولون العصبي.
الأفراد الذين يميلون إلى تضخيم الألم غالبًا ما يشعرون بأن الأعراض خارجة عن نطاق السيطرة، مما يزيد من شعورهم بالضيق والقلق. ويؤدي هذا النمط من التفكير إلى حلقة مفرغة، حيث يزيد القلق من تضخيم الألم، ويؤدي تضخيم الألم بدوره إلى زيادة الإحساس بالأعراض.

الميل إلى الأعراض الجسدية المتعددة
يشير الميل إلى الأعراض الجسدية المتعددة إلى نزعة نفسية تتمثل في الإبلاغ عن عدد كبير من الأعراض الجسدية غير المفسرة طبيًا. ويلاحظ أن العديد من الأفراد المشخصين بمتلازمة القولون العصبي يعانون أيضًا من أعراض جسدية أخرى، مثل الصداع المزمن، أو التعب المستمر، أو آلام العضلات.
ولا يُعزى هذا الميل عادة إلى خلل عضوي مشترك، بل إلى طريقة إدراك الفرد للإحساسات الجسدية وتفسيرها. فالأشخاص الذين لديهم ميل مرتفع للأعراض الجسدية المتعددة يكونون أكثر انتباهًا للإشارات الجسدية، وأكثر ميلًا لإضفاء معنى مرضي عليها، مما يسهم في زيادة معاناتهم الصحية والنفسية.

التفاعل بين العوامل النفسية المختلفة
تشير النماذج النفسية الحديثة إلى أن العوامل النفسية المرتبطة بمتلازمة القولون العصبي لا تعمل بشكل منفصل، بل تتفاعل فيما بينها بطريقة معقدة. فسمات الشخصية والأحداث الحياتية الضاغطة تسهم في زيادة القلق، والذي بدوره يؤدي إلى تضخيم الألم وزيادة الميل إلى الأعراض الجسدية المتعددة.
وقد أظهرت الدراسات أن تضخيم الألم والميل إلى الأعراض الجسدية المتعددة هما العاملان الأكثر ارتباطًا بشكل مباشر بشدة أعراض القولون العصبي، حيث يفسران نسبة كبيرة من الفروق الفردية بين الأفراد في شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة.

الدلالات العلاجية والتدخلات النفسية
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية التركيز على العوامل النفسية القابلة للتغيير في علاج متلازمة القولون العصبي. ويُعد العلاج السلوكي المعرفي من أكثر التدخلات فاعلية في هذا المجال، حيث يهدف إلى تعديل الأفكار السلبية المرتبطة بالألم، وتحسين أساليب التعامل مع التوتر، وتقليل تضخيم الأعراض.
كما أظهرت بعض الدراسات فاعلية التنويم الإيحائي العلاجي في تقليل شدة الأعراض الجسدية والنفسية، خاصة لدى الأفراد الذين يعانون من أعراض متعددة ومتداخلة. وتكمن أهمية هذه التدخلات في أنها لا تركز فقط على تخفيف الأعراض، بل تسهم أيضًا في تحسين جودة الحياة والقدرة على التكيف مع الحالة.

خاتمة
تؤكد الأدلة العلمية الحديثة أن متلازمة القولون العصبي ليست اضطرابًا جسديًا بحتًا، بل حالة معقدة تتداخل فيها العوامل النفسية والجسدية بشكل وثيق. ويُعد تضخيم الألم والميل إلى الأعراض الجسدية المتعددة من أبرز العوامل النفسية المرتبطة بشدة الأعراض، في حين يلعب القلق دورًا وسيطًا مهمًا يربط بين سمات الشخصية والتوتر من جهة، وشدة الأعراض من جهة أخرى.
إن فهم هذه العوامل والتفاعل بينها يسهم في تطوير تدخلات علاجية أكثر شمولية، ويعزز من فرص تحسين جودة حياة الأفراد المشخصين بمتلازمة القولون العصبي، كما يؤكد أهمية دمج الدعم النفسي ضمن الخطط العلاجية الشاملة.

المرجع

Which psychological factors exacerbate Irritable Bowel Syndrome? Development of a comprehensive model

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3673027/