ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
النوم الجيد ليس مجرد فترة من الراحة الجسدية، بل هو عملية أساسية تُؤثر بشكل مباشر على صحة الجسم والعقل. يساهم النوم في تجديد الطاقة، وتعزيز الجهاز المناعي، ودعم الأداء العقلي والبدني. رغم أن الكثيرين يهملون أهمية النوم، فإن الأبحاث العلمية تؤكد أن النوم الجيد يلعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على الصحة العامة. هذا المقال يناقش كيفية تحسين جودة النوم وتأثير النوم الجيد على الصحة النفسية، استنادًا إلى الأبحاث والدراسات الحديثة.
مراحل النوم وأثرها على الجسم
النوم يتكون من عدة مراحل أساسية، تتوزع بين النوم غير العميق (NREM) والنوم العميق (REM). يمر الجسم في دورة نوم كاملة تتكرر عدة مرات طوال الليل، وهذه المراحل تشمل:
1.النوم الخفيف (المرحلة 1 و2):
في هذه المرحلة، يكون الشخص في حالة من الاسترخاء الجزئي، ويمكنه الاستيقاظ بسهولة. في المرحلة الأولى، يبدأ الجسم في تقليل نشاطه العقلي والبدني استعدادًا للانتقال إلى مراحل النوم العميق. أما في المرحلة الثانية، فيبدأ الجسم في خفض درجة حرارته، وتقل الاستجابة للأصوات والضوء.
2.النوم العميق (المرحلة 3):
يُعرف هذا النوع من النوم بـ “النوم الموجي البطيء” أو النوم العميق. في هذه المرحلة، يبطئ التنفس ويسترخي الجسم بشكل كامل. هذه المرحلة تُعد الأهم لاستعادة طاقة الجسم وتدعيم عمليات التعافي والنمو. كما يعتقد الخبراء أن النوم العميق يُساعد في تعزيز المناعة وتحسين الصحة العامة.
3.النوم السريع (REM):
في هذه المرحلة، يكون الدماغ في حالة نشاط مشابه لحالة اليقظة. في حين أن الجسم يكون في حالة استرخاء عميق، يستمر الدماغ في معالجة المعلومات والذكريات. يُعتبر النوم السريع أساسيًا لتحسين الذاكرة، التعلم، والمزاج. في هذه المرحلة أيضًا، تحدث الأحلام، وهو ما يعتقد أن له دورًا في التنظيم النفسي والعاطفي.
طرق لتحسين جودة النوم
- التغييرات في نمط الحياة
من الخطوات الأساسية لتحسين جودة النوم، يجب أن تتبع مواعيد نوم ثابتة. يُفضّل أن تلتزم بالنوم في نفس الوقت يوميًا، حتى في عطلات نهاية الأسبوع. يساعد ذلك الجسم على ضبط الساعة البيولوجية الداخلية (الساعة البيولوجية)، مما يجعل النوم أسهل وأكثر استرخاء. كما أن هذه العادة تُسهم في استيقاظك في الصباح دون الحاجة إلى منبه.
إلى جانب ذلك، يُفضل تجنب استخدام الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية قبل النوم، حيث إن الضوء الأزرق الصادر عن هذه الأجهزة يمكن أن يُؤثر سلبًا على إفراز هرمون الميلاتونين الذي يُساعد في النوم. من الأفضل تخصيص ساعة قبل النوم للاسترخاء من خلال القراءة أو الاستماع إلى موسيقى هادئة.
- ممارسة التمارين الرياضية
تلعب الرياضة دورًا كبيرًا في تحسين جودة النوم. ممارسة الرياضة بانتظام يمكن أن تؤدي إلى تحفيز الجسم على النوم العميق. حيث إن التمارين الرياضية ترفع درجة حرارة الجسم قليلًا، وعندما يعود الجسم إلى درجة حرارته الطبيعية في المساء، يُحس الشخص بميل نحو النوم. يُنصح بممارسة التمارين الرياضية لمدة 150 إلى 300 دقيقة أسبوعيًا.
من الجيد أيضًا ممارسة التمارين في أوقات النهار أو العصر، وتجنب التمرينات الشاقة في المساء لأنها قد تُسبب الأرق. إذا كان بإمكانك ممارسة الرياضة في الهواء الطلق، فهذا سيكون مفيدًا جدًا لأن التعرض لأشعة الشمس يساعد الجسم على تنظيم الساعة البيولوجية بشكل صحيح.
- خلق بيئة نوم مريحة
إن بيئة النوم هي عامل أساسي لتحسين جودة النوم. يُنصح بأن تكون غرفة النوم هادئة، مظلمة، وباردة، إذ أن درجات الحرارة المرتفعة يمكن أن تؤثر سلبًا على النوم. يُمكن استخدام الستائر السميكة أو أقنعة العين لمنع الضوء من الدخول إلى الغرفة، كما يمكن استخدام سدادات الأذن إذا كانت البيئة المحيطة مليئة بالضوضاء.
من الجيد أيضًا تطوير روتين مريح قبل النوم، مثل أخذ حمام دافئ، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة، أو ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق. كل هذه الأنشطة تساعد في تهدئة العقل والاستعداد للنوم بشكل أفضل.
- التغييرات الغذائية
تلعب التغذية دورًا كبيرًا في نوعية النوم. من الأفضل تجنب تناول وجبات ثقيلة أو دهنية قبل النوم، حيث إن ذلك يمكن أن يُثقل المعدة ويُؤثر على عملية الهضم، مما يُعيق النوم الجيد. من الأفضل أيضًا تقليل استهلاك الكافيين في المساء، حيث إن الكافيين يعد من المنشطات التي تؤدي إلى صعوبة النوم.
كما يُنصح بتجنب تناول المشروبات الكحولية قبل النوم، حيث إن الكحول قد يُسبب الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل بسبب تأثيره على الجسم. الماء هو الخيار الأفضل، لكن تجنب شرب كميات كبيرة منه قبل النوم حتى لا تضطر للاستيقاظ في منتصف الليل.
تأثير النوم الجيد على الصحة النفسية
النوم الجيد لا يُحسن الصحة الجسدية فحسب، بل يلعب أيضًا دورًا كبيرًا في تحسين الصحة النفسية. فقد أظهرت الدراسات أن تحسين النوم يُؤدي إلى تقليل أعراض الاكتئاب، القلق، والتوتر، مما يجعل الشخص يشعر بمزاج أفضل وأكثر استقرارًا. أيضًا، يساعد النوم الجيد في تحسين الوظائف العقلية مثل التركيز والذاكرة.
تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل النوم، مثل الأرق، هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق. وقد أظهرت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين قاموا بتحسين جودة نومهم من خلال العلاج السلوكي المعرفي (CBT) قد شهدوا تحسنًا ملحوظًا في صحتهم النفسية. هذا النوع من العلاج يتعامل مع الأفكار والسلوكيات السلبية المرتبطة بالنوم، مما يساعد في تحسين النوم وبالتالي تحسين الصحة النفسية.
- الاكتئاب والقلق
الاكتئاب والقلق هما من أبرز الاضطرابات النفسية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنوم. الأشخاص الذين يعانون من الأرق هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق، بينما تحسن النوم يساعد في تقليل هذه الأعراض. كما أن النوم الجيد يعزز من قدرة الجسم على التعامل مع التوتر اليومي، مما يُساهم في الحفاظ على الصحة النفسية.
- التوتر والإجهاد
بجانب الاكتئاب والقلق، يُعتبر التوتر والإجهاد من المشاعر التي يمكن تقليلها بشكل كبير من خلال تحسين النوم. عندما ينام الشخص بشكل جيد، يتمكن جسمه من استعادة توازنه، مما يساعده على مواجهة تحديات الحياة بشكل أفضل. النوم الجيد يُحسن من صحة الجهاز العصبي ويقلل من استجابة الجسم للتوتر.
الخاتمة
النوم الجيد هو مفتاح لصحة جسدية وعقلية متوازنة. من خلال تبني عادات صحية مثل النوم في مواعيد ثابتة، ممارسة الرياضة بانتظام، وتهيئة بيئة نوم مناسبة، يمكن لأي شخص تحسين جودة نومه وبالتالي تعزيز صحته النفسية والجسدية. يجب أن ندرك أن النوم ليس رفاهية، بل هو احتياج أساسي للعيش حياة صحية ومليئة بالطاقة والإيجابية.
المراجع
3 Ways to Improve Sleep Quality
https://www.healthhub.sg/well-being-and-lifestyle/personal-care/are-you-getting-quality-sleep
Improving sleep quality leads to better mental health: A meta-analysis of randomised controlled trials
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8651630/





