ترجمة: أ. نوره الدوسري
يلاحظ بعض الأهالي أن أطفالهم يضعون كل شيء تقريبًا في أفواههم: الورق، الحجارة، أوراق الشجر، البلاستيك، الألعاب وغيرها. وقد يثير هذا القلق، خاصة عندما يصبح السلوك متكرّرًا ويشمل أشياء خطرة أو غير صالحة للأكل. هذا السلوك يُعرف في المجال الطبي باسم البيكا (Pica)، وهو مصطلح يشير إلى الميل إلى تناول أو مضغ مواد غير غذائية، لا تحتوي على قيمة غذائية، مثل التراب أو الورق أو المعادن أو البلاستيك.
يصبح هذا السلوك مشكلة حقيقية عندما تكون المواد التي يضعها الطفل في فمه سامة أو ملوثة أو حادة، إذ يمكن أن تسبب التسمم أو العدوى أو الجروح أو الاختناق. لكن من المهم أن ندرك أن استكشاف الأشياء بالفم هو جزء طبيعي من تطور الإنسان، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة. فالرضع والمواليد يستخدمون الفم كوسيلة رئيسية لاكتشاف العالم من حولهم، ويبدؤون بتمييز ما هو آمن أو صالح للأكل من خلال التجربة والخطأ، وبمساعدة الوالدين الذين يوجهونهم باستمرار ويمنعونهم من السلوكيات الخطرة. ومع مرور الوقت والتجربة، يتعلم معظم الأطفال تمييز الأشياء الصالحة للأكل بصريًا أو من خلال الإشارات الاجتماعية والتشجيع من الكبار.
لماذا يستخدم الأطفال الفم في الاستكشاف؟
يرتبط ذلك بوظائف الحواس الأساسية، حاستي الذوق والشم تلعبان دورًا أساسيًا في مساعدة الإنسان على معرفة ما هو آمن للأكل وما هو ضار. فحتى المواليد يمتلكون حساسية عالية جدًا تجاه التغيرات الدقيقة في الطعام، خاصة في السكريات. فقد أظهرت الدراسات أن الرضيع يمكن أن يغير سرعة المص عند الحلمة عندما يتغير مستوى الحلاوة بنسبة بسيطة جدًا، وكأنه يستمتع بطعم ألذ.
اللسان مصمم بطريقة مدهشة لهذا الغرض؛ إذ توجد مستقبلات الطعم الحلو في مقدمة اللسان لتشجيع الطفل على تناول الأطعمة الغنية بالطاقة، في حين توجد مستقبلات الطعم المر في الخلف لتحذيره من المواد السامة قبل بلعها. كما أن الأنف مزود بمستقبلات شمية تساعد على توجيه الوجه نحو مصادر الغذاء الآمن. بل إن الدراسات تشير إلى أن ما تأكله الأم في أواخر الحمل يمكن أن يؤثر على تفضيلات المولود لاحقًا؛ فالطفل الذي تتناول أمه أطعمة معينة خلال الحمل يميل إلى تفضيل الأطعمة ذات النكهة والرائحة المشابهة بعد الولادة، خاصة إذا استمرت الأم في تناولها أثناء الرضاعة.
ويميل الأطفال إلى تفضيل المألوف من الروائح والنكهات، مع استعداد خفيف لتجربة الجديد. هذا الميل الطبيعي يجعل من الفم وسيلة فعالة وآمنة في التعلم في المراحل الأولى من الحياة، طالما أن البيئة المحيطة خالية من المواد الضارة.
الفم كمصدر للمعلومات الحسية
لا تقتصر وظيفة الفم على التذوق فقط، بل يحتوي أيضًا على عدد هائل من المستقبلات العصبية التي تنقل إحساس اللمس والضغط والحرارة وحتى الألم. هذه الكثافة العصبية تجعل الفم من أكثر مناطق الجسم حساسية للمس. ولذلك، فإن الأطفال يشعرون براحة ومتعة أثناء وضع الأشياء في الفم، لأن هذه المنطقة ترتبط في أدمغتهم منذ المراحل الأولى بالشعور بالأمان والتغذية والراحة الاجتماعية (مثل الرضاعة). ولهذا السبب، قد يستمر هذا السلوك لدى بعض الأطفال لفترة أطول من غيرهم.
المخاطر المرتبطة بهذا السلوك في العصر الحديث
على الرغم من أن استكشاف الفم سلوك طبيعي في حد ذاته، إلا أن العالم الحديث مليء بالمخاطر غير الظاهرة. فهناك مواد سامة لا يمكن تمييزها بسهولة بالطعم أو الرائحة، مثل الرصاص والزئبق والإشعاع. الرصاص مثلًا له طعم حلو خفيف، والزئبق اللامع يجذب الأطفال بصريًا، بينما الإشعاع لا يُرى ولا يُشم. هذه المواد يمكن أن تكون قاتلة حتى بكميات صغيرة جدًا.
يكون الأطفال الصغار، خاصة في مرحلة الحبو والمشي المبكر (من سنة إلى ثلاث سنوات)، الأكثر عرضة للإصابة بالتسمم، خصوصًا في المنازل القديمة التي تحتوي على طلاء أساسه الرصاص. في هذه المرحلة، يبدأ الطفل بالتجول في المنزل ولمس الأشياء ووضعها في فمه، في حين لا يكون لديه بعد القدرة على التمييز بين الأمن والخطر.
متى يصبح السلوك غير طبيعي؟
عادةً ما يتوقف الأطفال عن وضع الأشياء في أفواههم تدريجيًا مع النضج والخبرة. ولكن إذا استمر السلوك لفترة طويلة بعد مرحلة الطفولة المبكرة، أو أصبح مرتبطًا بسلوك قهري أو متكرر بشكل مفرط، فقد يشير ذلك إلى اضطراب في التعلم أو ضعف في الإدراك أو الحسّ. وفي بعض الحالات، قد يرتبط البيكا بمشكلات في النمو العصبي مثل اضطراب طيف التوحد، أو تأخر النمو العام، أو نقص في بعض المعادن كالحديد أو الزنك.
ومع ذلك، لا يجب تفسير كل حالة بهذا الشكل. فالميل لوضع الأشياء في الفم يعود أيضًا إلى نزعة طبيعية للبحث عن التحفيز الحسي أو لتخفيف التوتر. لهذا السبب، من المهم تقييم الحالة بشكل شامل قبل اتخاذ أي إجراء.
كيف يمكن للأهل التعامل مع هذه المشكلة؟
عندما لا يتمكن الطفل من التمييز بين الأشياء الآمنة والخطرة، يجب اتخاذ إجراءات وقائية صارمة. الخطوة الأولى هي تأمين المنزل وإزالة أو إخفاء أي مواد سامة أو صغيرة الحجم يمكن ابتلاعها. كما يجب تخزين المواد الكيميائية والمنظفات والأدوات الحادة بعيدًا عن متناول الأطفال.
بالنسبة للأطفال الذين يعانون من انشغال مفرط بوضع الأشياء في الفم، يجب مراقبتهم عن قرب أثناء اللعب أو التنقل في المنزل. ولا يكفي الاعتماد على التوجيه اللفظي فقط، بل من الضروري تنظيم البيئة بطريقة تمنع الوصول إلى الأشياء الخطرة.
العلاج السلوكي (Behavioral Intervention)
يمكن تدريب بعض الأطفال على الامتناع عن وضع الأشياء في الفم من خلال برامج تعديل السلوك. وتُعرف هذه الطريقة باسم منع الاستجابة (Response Prevention)، حيث يعمل الأخصائي على إيقاف السلوك مباشرة في كل مرة يحدث فيها، بطريقة ثابتة ومتكررة. النجاح في هذا النوع من التدخل يعتمد على الاستمرارية، الفورية، وتوفير بدائل مناسبة للطفل لتلبية حاجته الحسية بطريقة آمنة (مثل ألعاب المضغ أو النشاطات الشفوية المناسبة).
من المهم جدًا عدم تقديم بديل محبب مباشرة بعد محاولة وضع شيء غير صالح في الفم، لأن ذلك قد يؤدي إلى تعزيز السلوك الخاطئ دون قصد. بدلاً من ذلك، يجب مكافأة الطفل فقط عندما يستخدم الفم بطريقة مقبولة، كتناول الطعام أو اللعب بشيء آمن مخصص للفم.
تعليم التمييز بين الأشياء الآمنة والخطرة
يمكن تعليم الطفل أن يتناول أو يضع في فمه فقط الأشياء الموجودة في أماكن معينة، مثل الطعام الموجود على طبق مميز بلون معين أو على مفرش خاص. هذه الطريقة تساعد في بناء قاعدة بصرية واضحة في ذهن الطفل تربط “ما يُؤكل” بمكان أو سياق معين.
وفي بعض الحالات، قد تكون هناك حاجة إلى برنامج سلوكي متخصص يشرف عليه أخصائي تحليل سلوك تطبيقي (ABA) أو أخصائي تعديل سلوك، خاصة إذا كان الطفل يعاني من اضطراب نمائي أو حسي. يتم تصميم البرنامج لكل طفل على حدة، مع تدريب جميع الأشخاص المحيطين به على تنفيذ الخطة بنفس الطريقة لضمان النجاح.
لكن من المهم جدًا عدم تنفيذ الخطة بشكل متقطع أو غير منسق، لأن ذلك قد يجعل الطفل أكثر سرّية في ممارسة السلوك بدلًا من التوقف عنه. يجب أن تكون كل الإجراءات منظمة، ثابتة، ومتابعة من قبل مختصين لضمان حماية الطفل وتقدمه.
الخلاصة والتوصيات للأهل
- استكشاف الفم طبيعي في السنوات الأولى من حياة الطفل، لكنه يصبح خطرًا إذا استمر أو شمل مواد ضارة.
- البيكا ليست مجرد “عادة سيئة”، بل قد تكون علامة على حاجة حسّية، أو اضطراب في التعلم، أو نقص غذائي، أو تأخر في النمو.
- الوقاية تبدأ من تأمين البيئة المنزلية ومراقبة الطفل باستمرار.
- العلاج السلوكي بإشراف مختص هو الخيار الأكثر فعالية لتقليل السلوك وتعليم بدائل آمنة.
- يجب تشجيع الطفل على النشاطات التي توفر التحفيز الحسي بطريقة آمنة، مثل اللعب بالماء، أو مضغ أدوات مخصصة، أو ممارسة تمارين الفم.
- وأخيرًا، التعاون بين الأهل والأخصائيين ضروري لوضع خطة متكاملة تحافظ على سلامة الطفل وتساعده على التعلم والنمو بأمان.
المرجع:
Mouthing Objects :
https://asatonline.org/research-treatment/clinical-corner/mouthing-objects/





