الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

Navigator ACT: دعم نفسي لأهالي الأطفال ذوي الإعاقات

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

تواجه الأسر التي لديها أطفال مشخّصون باضطراب طيف التوحد أو بإعاقات أخرى تحديات كبيرة تؤثر على صحتهم النفسية وجودة حياتهم. فالأبحاث أثبتت أن أهالي الأطفال ذوي الإعاقات يعانون مستويات مرتفعة من الضغوط النفسية والتوتر والاكتئاب والقلق مقارنة بغيرهم من الأهالي. وتعود هذه الضغوط غالبًا إلى عبء الرعاية، وصعوبة التعامل مع السلوكيات المرافقة للإعاقة، والقلق على مستقبل الطفل، بالإضافة إلى قلة الدعم الاجتماعي والشعور بالوصمة.

انطلاقًا من هذه الحاجة، صمّم فريق من الباحثين في السويد برنامجًا علاجيًا جماعيًا جديدًا يُعرف باسم “Navigator ACT”، وهو نسخة معدلة من العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy) موجهة خصيصًا لأهالي الأطفال ذوي الإعاقات. وهدفت الدراسة إلى تقييم مدى جدوى البرنامج وفعاليته المبدئية في تحسين الصحة النفسية للأهالي وتعزيز قدرتهم على التكيف.

 

أولاً: ما هو العلاج بالقبول والالتزام (ACT)؟

يُعد العلاج بالقبول والالتزام أحد أشكال العلاج السلوكي المعرفي الحديث، ويركز على تعزيز ما يُعرف بـ المرونة النفسية، أي قدرة الفرد على تقبّل الأفكار والمشاعر السلبية دون تجنّبها أو مقاومتها، مع الاستمرار في السلوكيات التي تتماشى مع قيمه وأهدافه.
بدلاً من محاولة “التخلص” من المشاعر المزعجة، يتعلم الأهل في ACT كيفية ملاحظتها والتعامل معها بوعي دون أن تسيطر على قراراتهم.

يتكون النموذج العلاجي من ست عمليات مترابطة:

  1. الانتباه الواعي للحظة الحالية (اليقظة الذهنية)

  2. التحرر المعرفي أي تغيير طريقة التعامل مع الأفكار السلبية

  3. القبول والتسامح مع الخبرات الداخلية غير المريحة

  4. اتخاذ منظور المراقب لفهم الذات والآخرين

  5. توضيح القيم الشخصية والأسرية

  6. الالتزام بسلوكيات منسجمة مع تلك القيم

وتسعى هذه العمليات إلى تقليل “تجنّب الخبرة”، أي الميل إلى الهروب من المواقف المؤلمة أو محاولة السيطرة على المشاعر بدلاً من معايشتها وتقبلها.

 

ثانياً: برنامج “Navigator ACT”

تم تطوير هذا البرنامج ضمن خدمات التأهيل الخارجية في منطقة ستوكهولم. وهو برنامج جماعي من خمس جلسات رئيسية وجلسة تعزيزية، بمجموع يقارب 20 ساعة علاجية. تُقدَّم الجلسات لمجموعات من 8 إلى 16 ولي أمر، ويُديرها مختصان مدرّبان (غالبًا أخصائي نفسي أو أخصائي اجتماعي).

كل جلسة لها موضوع محدد يتناول أحد جوانب الضغوط الأبوية وكيفية التعامل معها. وتتضمن الجلسات تمارين خبراتية، وتمارين يقظة ذهنية، وأدوارًا تمثيلية، ونقاشات جماعية. ويُطلب من الأهالي تنفيذ واجبات منزلية بين الجلسات لتعزيز التعلم.

موضوعات الجلسات الخمس كانت كالتالي:

  1. من أنا وأين أقف الآن؟ – فهم التوتر، الحزن، والتحديات اليومية للأبوة.

  2. ما المهم بالنسبة لي؟ – تحديد القيم الشخصية وقبول الطفل كما هو.

  3. ما الذي يعيقني؟ – التعامل مع الأفكار والمشاعر التي تمنعنا من التصرف بمرونة.

  4. ماذا أحتاج أن أفعل؟ – اتخاذ خطوات عملية مبنية على القيم وليس الخوف أو الذنب.

  5. بماذا أعد نفسي؟ – موازنة الطاقة، والرعاية الذاتية، والاستمرار في السلوكيات المفيدة.

 

ثالثاً: المشاركون وطريقة الدراسة

شملت الدراسة 94 ولي أمر لأطفال تتراوح أعمارهم بين 2 و17 عامًا ممن لديهم اضطرابات مثل اضطراب طيف التوحد، الإعاقة الذهنية، الشلل الدماغي، اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو إعاقات متعددة.
شارك في تطبيق البرنامج 15 مختصًا تلقوا تدريبًا مكثفًا لمدة ستة أشهر على تطبيق منهج ACT للأهالي.

تم قياس مدى جدوى البرنامج من خلال:

  • نسبة استكمال العلاج
  • رضا الأهالي عن الجلسات
  • مدى اقتناعهم بجدوى البرنامج
  • التحسن في مستويات التوتر والاكتئاب والقلق واليقظة الذهنية

 

رابعاً: النتائج الرئيسية

1. الجدوى والالتزام بالبرنامج

  • أكمل 80% من الأهالي أربع جلسات على الأقل من أصل خمس، وهي نسبة عالية مقارنة بالبرامج العلاجية الأخرى.

  • أبدى الأهالي مستوى رضا مرتفعًا جدًا عن البرنامج، إذ حصل على تقييم متوسط قدره 7.8 من 9 في مقياس الرضا.

  • ذكر العديد من الأهالي أنهم يرغبون في مزيد من الوقت لمشاركة الخبرات مع الأهالي الآخرين، وأن الواجبات المنزلية ساعدتهم كثيرًا في التطبيق العملي.

2. التحسن النفسي للأهالي

أظهرت المقاييس النفسية انخفاضًا ملحوظًا في:

  • الاكتئاب والقلق بدرجة كبيرة بعد البرنامج واستمر التحسن حتى المتابعة بعد ثلاثة أشهر.
  • تجنّب الخبرة (الرغبة في الهروب من المشاعر الصعبة)، مما يدل على زيادة المرونة النفسية.
  • كما زادت مستويات الوعي واليقظة الذهنية لدى الأهالي.
  • تحسّن أيضًا شعورهم بالرضا عن دورهم كآباء، رغم أن مقياس الضغط العام لم يظهر تحسنًا كبيرًا إلا بعد مرور عدة أشهر.

3. تحسن في سلوك الأطفال من وجهة نظر الأهالي

بعد انتهاء البرنامج، لاحظ الأهالي انخفاضًا في:

  • المشكلات الانفعالية والسلوكية (مثل الغضب أو القلق)
  • الصعوبات الأسرية الناتجة عن السلوك
    وفي المقابل، ازدادت السلوكيات الاجتماعية الإيجابية مثل المشاركة والتعاون.

 

خامساً: آراء الأهالي

عند سؤالهم عن البرنامج، عبّر الأهالي عن مشاعر إيجابية جدًا. من أبرز التعليقات:

  • “أخيرًا برنامج يركز عليّ كأم، وليس فقط على ابني.”

  • “تعلمت أن أتعامل مع المواقف الصعبة بهدوء أكثر، وأن أتقبل مشاعري دون جلد للذات.”

  • “التمارين ساعدتني على التواصل مع ابني بطريقة أهدأ وأقرب إلى القيم التي أؤمن بها.”

اقترح بعض الأهالي زيادة عدد الجلسات أو تمديد وقت المناقشات، كما أقرّ آخرون بأنهم لم يلتزموا بالواجبات المنزلية بما فيه الكفاية، مما أثر على استفادتهم.

 

سادساً: ما الذي يميز “Navigator ACT”؟

  • البرنامج عابر للتشخيصات، أي أنه يناسب أهالي الأطفال بمختلف أنواع الإعاقات وليس فقط اضطراب طيف التوحد.

  • يعتمد على التجارب العملية وليس المحاضرات النظرية فقط.

  • يدمج بين الرعاية الذاتية واليقظة الذهنية وبين تعلم مهارات تربوية مرنة.

  • يعزز التفاعل بين الأهالي مما يقلل الشعور بالعزلة ويقوي الدعم الاجتماعي.

  • أثبت أنه قابل للتطبيق ضمن الخدمات الحكومية العامة وليس فقط في المراكز المتخصصة.

 

سابعاً: الاستنتاجات والتوصيات

خلصت الدراسة إلى أن برنامج Navigator ACT:

  • فعال وقابل للتطبيق في بيئات التأهيل والرعاية المجتمعية.

  • يحسن الصحة النفسية والمرونة النفسية للأهالي بشكل ملحوظ.

  • يسهم في تحسين نظرة الأهل لأطفالهم وسلوكهم، ويقلل من الضغط والتوتر المرتبط بالرعاية.

  • يستحق أن يُختبر على نطاق أوسع من خلال دراسات تجريبية محكمة (RCT).

يوصي الباحثون بتطبيق هذا النموذج في مراكز التأهيل والأسرة، مع تدريب المختصين على مبادئ العلاج بالقبول والالتزام، لتقديم دعم متكامل للأهالي، لا يقتصر على إدارة سلوك الطفل فقط، بل يشمل أيضًا سلامة الأهل النفسية وقدرتهم على التكيف الطويل الأمد.

 

ثامناً: الرسالة للأهالي والمختصين

يؤكد هذا البحث أن الاهتمام بصحة الأهل النفسية هو خطوة أساسية لتحسين جودة حياة الطفل والأسرة ككل.
العلاج بالقبول والالتزام لا يطلب من الأهل تغيير الواقع الصعب، بل يعلّمهم كيف يعيشون معه بمرونة وسلام، ويختارون أفعالهم انطلاقًا من قيمهم وليس من ضغوطهم.

فحين يتعلم الأهل كيف يتقبلون أفكارهم ومشاعرهم ويعتنون بأنفسهم، يصبحون أكثر قدرة على منح أطفالهم ما يحتاجون إليه من دعم وتفهم ومحبة.

 

المرجع : 

Acceptance and Commitment Therapy Group Intervention for Parents of Children with Disabilities (Navigator ACT): An Open Feasibility Trial

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10123046/pdf/10803_2022_Article_5490.pdf