الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العقاب البدني للأطفال والصحة

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

حقائق أساسية

العقاب البدني أو الجسدي للأطفال يُعتبر ظاهرة واسعة الانتشار سواء في البيوت أو في المدارس. وتشير التقديرات العالمية إلى أن نحو 1.2 مليار طفل تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عاماً يتعرضون للعقاب البدني في منازلهم سنوياً.

في بعض الدول، يكاد جميع الطلاب يقرّون بأنهم تعرضوا للعقاب البدني على يد المعلمين أو الكادر التعليمي. ويُلاحظ أن احتمال التعرض للعقاب البدني لا يختلف كثيراً بين الأولاد والبنات، ولا بين الأطفال المنتمين إلى أسر غنية أو فقيرة.

الأدلة العلمية تُظهر أن العقاب البدني يُلحق أضراراً بالصحة الجسدية والنفسية للأطفال، ويزيد من المشكلات السلوكية على المدى الطويل، كما أنه لا يحقق أي نتائج إيجابية.

كل أشكال العقاب البدني، حتى وإن بدت خفيفة أو بسيطة، تحمل خطراً داخلياً بالتصعيد والتفاقم. وتُشير الدراسات إلى أن الآباء والأمهات الذين يستخدمون العقاب البدني معرضون بدرجة أعلى لممارسة أشكال أكثر حدة من سوء المعاملة.

العقاب البدني يرتبط بمجموعة واسعة من النتائج السلبية بالنسبة للأطفال في مختلف البلدان والثقافات، بما في ذلك:

  • مشكلات في الصحة الجسدية والنفسية.

  • ضعف في التطور المعرفي والاجتماعي العاطفي.

  • تدنٍ في الإنجاز التعليمي.

  • زيادة العدوانية وممارسة العنف.

ويُعد العقاب البدني انتهاكاً لحقوق الطفل، ومنها: الحق في سلامة الجسد وكرامة الإنسان، والحق في الصحة والنمو والتعليم، وكذلك الحق في التحرر من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

إلغاء جميع أشكال العنف ضد الأطفال منصوص عليه في عدة أهداف ضمن أجندة التنمية المستدامة لعام 2030، لا سيما الهدف 16.2 الذي ينص على: “إنهاء إساءة معاملة الأطفال واستغلالهم والاتجار بهم وجميع أشكال العنف والتعذيب الممارس ضدهم”.

وتؤكد الأدلة أن العقاب البدني والأضرار المرتبطة به يمكن الوقاية منها من خلال نهج متعددة القطاعات والأبعاد، بما يشمل الإصلاحات القانونية، وتغيير المعايير الاجتماعية الضارة المتعلقة بتربية الأطفال وعقابهم، ودعم الوالدين ومقدمي الرعاية، إلى جانب برامج مدرسية توعوية.

 

نظرة عامة

عرّفت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، وهي الهيئة المسؤولة عن متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل، العقاب البدني أو الجسدي على أنه:

“أي عقوبة يُستخدم فيها العنف الجسدي، ويُقصد منها إحداث قدر من الألم أو الانزعاج، مهما كان خفيفاً.”

غالباً ما يتجسد ذلك في ضرب الأطفال باليد أو بأدوات مثل: السوط، العصا، الحزام، الحذاء، الملعقة الخشبية أو ما شابه. كما يمكن أن يشمل الركل، الهز العنيف، رمي الأطفال، الخدش، القرص، العض، شد الشعر أو ضرب الأذن، وإجبار الأطفال على البقاء في أوضاع غير مريحة، أو الحرق، أو السكب بالماء الساخن، أو إجبارهم على تناول مواد ضارة.

إلى جانب ذلك، هناك أشكال غير جسدية من العقاب، قد تكون قاسية ومهينة، وبالتالي فهي أيضاً غير متوافقة مع اتفاقية حقوق الطفل. وغالباً ما ترافق هذه الأساليب العقاب الجسدي أو تتداخل معه. وتشمل هذه الأساليب: إذلال الطفل، إهانته، التقليل من شأنه، تحميله اللوم ظلماً، تهديده، إخافته أو السخرية منه.

 

النطاق

وفق تقديرات اليونيسف، يتعرض ما يقارب 1.2 مليار طفل تتراوح أعمارهم بين 0–18 عاماً للعقاب البدني في منازلهم سنوياً. وفي 58 دولة أُجري فيها تصنيف لشدة العقوبة، تبين أن نحو 17% من الأطفال تعرضوا لعقوبات بدنية شديدة مثل: الضرب على الرأس أو الوجه أو الأذن، أو الضرب بقوة وبشكل متكرر خلال الشهر الماضي فقط.

تُظهر البيانات فروقات كبيرة بين الدول والمناطق، ما يعكس وجود إمكانيات فعلية للوقاية من هذه الظاهرة.

بوجه عام، لا توجد فروقات واضحة بين الأولاد والبنات في معدلات التعرض للعقاب البدني. لكن لوحظ أن الأطفال الصغار (2–4 سنوات) معرضون للعقاب البدني بقدر مماثل، بل وفي بعض الدول أكثر من الأطفال الأكبر سناً (5–14 سنة)، بما في ذلك الأشكال العنيفة منه.

معظم الأطفال يتعرضون لمزيج من العقاب البدني والعقاب النفسي. وعلى الرغم من أن العديد من الآباء والأمهات ومقدمي الرعاية أفادوا باستخدامهم لأساليب غير عنيفة في التربية مثل الشرح للطفل أو حرمانه من بعض الامتيازات، إلا أن هذه الوسائل غالباً ما تُستخدم إلى جانب الأساليب العنيفة. أما الأطفال الذين يتعرضون فقط لأساليب تربوية غير عنيفة فهم الأقلية.

فيما يخص المدارس، فإن نصف الأطفال تقريباً (732 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاماً) يعيشون في دول لم يُحظر فيها العقاب البدني في المدارس بشكل كامل.

وتُظهر الدراسات أن معدل انتشار العقاب البدني في المدارس خلال فترة الحياة تجاوز 70% في إفريقيا وأمريكا الوسطى، بينما بلغت نسبة انتشاره في السنة الماضية أكثر من 60% في إقليمي شرق المتوسط وجنوب شرق آسيا التابعين لمنظمة الصحة العالمية، وبلغت نسبته في الأسبوع الماضي أكثر من 40% في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وفي المقابل، لوحظت نسب أقل في إقليم غرب المحيط الهادئ، حيث بلغ معدل انتشاره خلال الحياة والسنة الماضية حوالي 25%. كما يبدو أن العقاب البدني شائع في كل من المرحلة الابتدائية والثانوية.

 

العواقب

العقاب البدني يُثير استجابات نفسية وفسيولوجية ضارة. فالأطفال لا يعانون فقط من الألم والحزن والخوف والغضب والخجل والشعور بالذنب، بل إن إحساسهم بالتهديد يؤدي أيضاً إلى توتر جسدي وتفعيل مسارات عصبية مرتبطة بالتعامل مع الخطر.

الأطفال الذين يتعرضون للعقاب البدني يُظهرون عادة مستويات مرتفعة من التفاعل الهرموني مع الضغوط، إضافة إلى إنهاك أنظمتهم البيولوجية (العصبية، القلبية الوعائية، الغذائية)، فضلاً عن تغييرات في بنية الدماغ ووظائفه.

وعلى الرغم من انتشار الاعتقاد بأن العقاب البسيط مثل “الصفع أو الضرب الخفيف” غير مضر، إلا أن الأبحاث الحديثة أظهرت أنه يرتبط بوظائف دماغية غير طبيعية مشابهة لتلك الناتجة عن أشكال الإساءة الأكثر شدة.

وقد ربطت مجموعة كبيرة من الدراسات بين العقاب البدني والعديد من النتائج السلبية سواء على المدى القصير أو الطويل، ومنها:

  • أذى جسدي مباشر قد يصل أحياناً إلى إصابات خطيرة، إعاقة طويلة الأمد أو الوفاة.

  • مشكلات الصحة النفسية مثل الاضطرابات السلوكية والقلق والاكتئاب واليأس وتدني تقدير الذات، ومحاولات إيذاء النفس والانتحار، إضافة إلى الاعتماد على الكحول أو المخدرات، والعدوانية وعدم الاستقرار العاطفي، والتي تستمر غالباً حتى مرحلة البلوغ.

  • ضعف النمو المعرفي والاجتماعي العاطفي، خاصة في مهارات تنظيم الانفعالات وحل النزاعات.

  • أضرار تعليمية، بما في ذلك التسرب المدرسي وتدني النجاح الأكاديمي والمهني.

  • ضعف في بناء الأخلاق الداخلية وزيادة السلوكيات غير الاجتماعية.

  • زيادة العدوانية لدى الأطفال.

  • الميل في مرحلة البلوغ إلى ممارسة العنف أو السلوك الإجرامي.

  • أضرار جسدية غير مباشرة نتيجة إنهاك الأنظمة البيولوجية، مثل زيادة احتمالية الإصابة بالسرطان، والمشكلات المرتبطة بالكحول، والصداع النصفي، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والتهاب المفاصل، والسمنة التي تستمر حتى مرحلة البلوغ.

  • تعزيز القبول بمظاهر العنف الأخرى واستخدامها.

  • تدهور العلاقات الأسرية.

وتشير بعض الدراسات إلى وجود علاقة تعتمد على “الجرعة والاستجابة”، حيث وُجد أن الارتباط بين العقاب البدني وزيادة العدوانية لدى الأطفال أو تدني مستوى التحصيل الدراسي في الرياضيات والقراءة يزداد قوة كلما ارتفع معدل تكرار العقاب البدني.

 

عوامل الخطر

تم تحديد عدة عوامل تزيد من احتمالية استخدام العقاب البدني، على مستويات مختلفة:

  • على المستوى الفردي: يزيد احتمال تعرض الأطفال ذوي الإعاقة للعقاب البدني بدرجة ملحوظة.

  • على مستوى الأسرة: يشمل ذلك الوالدين الذين تعرضوا بدورهم للعقاب البدني في طفولتهم، أو الذين يعانون من مشكلات صحية نفسية مثل الاكتئاب، أو من تعاطي الكحول والمخدرات.

  • على المستوى المجتمعي والمجتمعي العام: الفقر، والعنصرية، والتمييز على أساس الطبقة الاجتماعية كلها تزيد من احتمالية استخدام العقاب البدني.

 

الوقاية والاستجابة

العقاب البدني والأضرار المرتبطة به يمكن الوقاية منها من خلال نهج متعددة القطاعات والأبعاد، منها:

  • إصلاح القوانين.

  • تغيير المعايير الاجتماعية الضارة المتعلقة بتربية الأطفال ومعاقبتهم.

  • تقديم الدعم للوالدين ومقدمي الرعاية.

  • وضع برامج مدرسية شاملة.

في بعض البلدان، تنخفض معدلات انتشار العقاب البدني بعد إدخال قوانين تحظره، بينما في بلدان أخرى قد تبقى المعدلات ثابتة أو حتى ترتفع رغم وجود الحظر. كما تُظهر بعض الدول التي لم تُطبق أي حظر تغييرات متباينة سواء بالزيادة أو النقصان.

هذا يدل على أن استمرار استخدام العقاب البدني، إلى جانب بقاء الاعتقاد بضرورته في بعض الثقافات رغم الحظر القانوني، يتطلب أن تكون القوانين مصحوبة ببرامج تدخل أوسع نطاقاً تُعالج عوامل الخطر على المستويات الفردية والأسرية والمجتمعية.

وقد قدّم حِزمة INSPIRE التقنية عدة أمثلة واعدة وفعّالة لمثل هذه التدخلات، منها:

  1. تنفيذ وإنفاذ القوانين التي تحظر العقاب البدني: بحيث يتمتع الأطفال بنفس الحماية القانونية من الاعتداء مثل البالغين، مع التركيز على الجانب التوعوي والتربوي بدلاً من العقابي، مما يرفع الوعي ويغير المواقف تجاه التربية غير العنيفة ويوضح مسؤوليات الآباء.

  2. برامج تغيير المعايير والقيم الاجتماعية: بهدف تحويل المعتقدات الاجتماعية الضارة حول تربية الأطفال والانضباط.

  3. دعم الوالدين ومقدمي الرعاية: من خلال جلسات معلوماتية وتدريبية لتطوير مهارات الأبوة والأمومة القائمة على الرعاية والتربية غير العنيفة.

  4. برامج التعليم وتنمية المهارات الحياتية: لبناء بيئة مدرسية إيجابية وخالية من العنف، وتعزيز العلاقات بين الطلاب والمعلمين والإداريين.

  5. خدمات الاستجابة والدعم: للكشف المبكر عن الأطفال الضحايا وعائلاتهم وتقديم الرعاية اللازمة لتقليل تكرار العنف وتخفيف آثاره.

كلما كانت هذه التدخلات مبكرة في حياة الأطفال، زادت فوائدها لهم على مستوى التطور المعرفي والسلوكي والاجتماعي والتحصيل التعليمي، وكذلك فوائدها للمجتمع عبر خفض معدلات الجريمة والعنف.

 

استجابة منظمة الصحة العالمية (WHO)

تتناول منظمة الصحة العالمية موضوع العقاب البدني بطرق متعددة ومتكاملة. فمن خلال التعاون مع شركائها، تقدم المنظمة إرشادات ودعماً فنياً للوقاية والاستجابة المبنية على الأدلة.

وتعمل المنظمة على تعزيز عدة استراتيجيات واردة ضمن حِزمة INSPIRE التقنية، بما يشمل:

  • التشريعات.

  • تغيير القيم والمعايير الاجتماعية.

  • دعم الوالدين.

  • الوقاية من العنف في المدارس.

كما تدعو المنظمة إلى تعزيز الدعم الدولي والاستثمار في هذه التدخلات الوقائية والاستجابية المبنية على الأدلة.

 

المرجع:

 

Corporal punishment of children and health: 

https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/corporal-punishment-and-health