ترجمة : أ . نوره الدوسري
تعرفون كيف يمكن أن يكون الصباح وكأنه عالم مختلف تمامًا عندما يكون لديك أطفال؟ في لحظة يكون الجميع نائمًا، وفي اللحظة التالية يسود الفوضى. أحد الأطفال لا يجد جواربه، وآخر نسي تجهيز وجبة الغداء، وهناك البحث المستمر عن ملف الواجبات المفقود. وبمجرد أن تخرج من المنزل، يبدو وكأنك قد ركضت ماراثونًا بالفعل. مررتم بهذا من قبل؟ نعم، أنا أيضًا. لكن هناك أمر مهم: الطريقة التي تمر بها الساعات الأولى من اليوم يمكن أن تؤثر بشكل فعلي على أداء الطفل في المدرسة، وليس فقط على الدرجات، بل على التركيز والثقة بالنفس وكيفية ظهورهم أمام العالم كل يوم.
لماذا الروتين الصباحي أكثر أهمية مما نعتقد
لنكن صريحين، الصباح يحدد نغمة اليوم بأكمله. إذا بدأ اليوم بسرعة وفوضى وتوتر، يكون الأمر أشبه ببدء سباق وأنت بالفعل منهك. الأطفال كذلك، عقولهم وأجسامهم الصغيرة لا تزال تتعلم كيفية إدارة الوقت والمشاعر والتوقعات. لذلك، عندما يكون الصباح فوضويًا، لا يتوقف التأثير عند هذا الحد، بل يمتد ليؤثر على بقية اليوم بأكمله.
تخيلوا الأمر هكذا: في الأيام التي تستيقظون فيها متأخرين، وتتخطون وجبة الإفطار، وتركضون للعمل، تقضون صباحكم كله تحاولون اللحاق بالركب، أليس كذلك؟ الأطفال يشعرون بذلك أيضًا، لكنهم لا يعرفون دائمًا كيف يعيدون ضبط أنفسهم. عقولهم تستمر في الدوران بسبب الفوضى، ويصعب عليهم التركيز عندما يحملون معهم توتر الصباح.
أتذكر ابنة أختي – دعونا نسميها ميا – كانت تأتي إلى المدرسة شبه نائمة، وتتخطى الإفطار معظم الأيام. كانت والدتها منشغلة بعدة مهام، لذا كان الصباح مجرد مزيج من الفوضى والعجلة. لكن بمجرد أن بدأوا بروتين صباحي بسيط – الاستيقاظ قبل 15 دقيقة، وتناول الإفطار معًا، وتجهيز الحقيبة مساءً – لاحظ معلمو ميا أنها أصبحت أكثر هدوءًا وتركيزًا، وحتى أكثر سعادة في الصف. لم يكن ذلك سحرًا، بل مجرد نظام وهيكل يعطي تنظيمًا على اليوم.
العلم وراء الصباح الهادئ
هناك علم حقيقي يدعم أهمية الروتين الصباحي. تظهر الدراسات أن الأطفال الذين لديهم روتين ثابت، خاصة في الصباح، يميلون إلى تحقيق أداء أفضل أكاديميًا. لماذا؟ لأن الروتين يقلل التوتر ويخلق شعورًا بالتنبؤ. عندما يعرف الطفل ما سيأتي بعد ذلك، يرتاح دماغه قليلًا، كأنك تمنحه خريطة لطيفة لليوم. وعندما يقل التوتر، يتحسن التركيز، وتعمل الذاكرة بشكل أفضل، ويصبحون أكثر استقرارًا عاطفيًا. نفس الأمر ينطبق على البالغين أيضًا. عندما يبدأ اليوم وأنت متوازن، يتدفق كل شيء بعد ذلك بسلاسة.
دور النوم في الصباح المثالي
لنناقش الآن ما لا يمكن لأي روتين صباحي تعويضه إذا كان مفقودًا: النوم. إذا كان الطفل لا ينام بما يكفي، حتى أفضل روتين سيكون كدفع صخرة شديدة الثقل. يحتاج الأطفال إلى قدر أكبر من النوم مما نعتقد، حسب أعمارهم بين 9 و12 ساعة ليلاً تقريبًا.
هل حاولتم التفاهم مع طفل نعسان؟ يشبه التفاوض مع محامٍ صغير وعنيد لم يشرب قهوته بعد. يصبحون سريعو الغضب، مشتتون، وعاطفيون. هذا ليس كسلاً، بل مجرد إرهاق. لذلك، قبل التفكير في خطة صباحية جديدة، تحققوا أولاً من وقت النوم. أحيانًا يبدأ أفضل صباح في الليلة السابقة.
التأثير العاطفي للصباح
الأمر المدهش أن الأطفال يعكسون الطاقة المحيطة بهم. إذا كان الصباح في المنزل مليئًا بالصراخ والعجلة والتوتر، فإنهم يستوعبون ذلك ويأخذونه معهم إلى الصف. يمكن للمعلمين ملاحظة ذلك أيضًا، فهم يلاحظون الطفل المشتت أو القلق أو المنزعج، وغالبًا ما يعود السبب إلى ما حدث قبل رنين الجرس الأول.
وعلى الجانب الآخر، عندما يكون الصباح هادئًا ومليئًا بالحب، يدخل الأطفال المدرسة وهم يشعرون بالأمان والاطمئنان. يمنحهم ذلك شعورًا هادئًا بالثقة، كأنهم يقولون: “حسنًا، أنا مستعد.” أحيانًا تكون أصغر اللحظات هي الأكثر تأثيرًا، كدقيقتين من الضحك أو حديث هادئ قبل الانطلاق.
بناء روتين صباحي فعّال
ما شكل الروتين الصباحي الجيد؟ ليس الهدف الكمال، بل الإيقاع المنتظم. إليكم خطوات بسيطة:
- التحضير مساءً: تجهيز الحقائب، اختيار الملابس، وتحضير مكونات الإفطار إن أمكن. كلما قل اتخاذ القرارات في الصباح، سارت الأمور بسلاسة أكبر.
- تحديد وقت استيقاظ ثابت: الانتظام مهم، حتى في عطلات نهاية الأسبوع، لتنظيم الساعة البيولوجية للطفل وتقليل الصدمة الصباحية.
- الحفاظ على هدوء الجو: تجنب الشاشات أول الأمر، شغّلوا موسيقى هادئة، افتحوا الستائر، أو تحدثوا بصوت لطيف.
- تغذية العقل والجسم: الإفطار مهم، حتى وجبة بسيطة مثل الشوفان، الفاكهة أو البيض تحدث فرقًا كبيرًا.
- إضافة لحظات اتصال: قبل الانطلاق، اقضوا دقيقتين على الأقل للتواصل العاطفي: عناق، حديث قصير، أو ضحكة مشتركة.
- ترك مساحة للمرونة: لا يوجد روتين مثالي، قد يكون هناك عصير مُسفوك أو الواجب المفقود، لذا أتركوا خمس دقائق إضافية لتجنب التوتر، فالمرونة تجعل الروتين إنسانيًا.
ما يحدث عند تجاهل الروتين
عندما يبدأ الأطفال يومهم بلا هيكل، يشبه ذلك إلقائهم في عاصفة بلا مظلة. قد ينجحون في تجاوز الأمر، لكن سيكون أصعب، وأكثر احتمالًا للنسيان أو الانزعاج أو فقدان التركيز، وقد يؤثر على تقديرهم لذاتهم إذا أصبح الأمر معتادًا.
الأهل أيضًا بحاجة للروتين
ليس فقط الأطفال من يحتاجون للروتين، فالأهل أيضًا. إذا كنتم منهكين أو متوترين باستمرار، فإن ذلك ينعكس على الجو العام، ويقلل من قدرتكم على تقديم الدعم الفعّال. أحيانًا مجرد الاستيقاظ قبل الأطفال بعشر دقائق مع شرب الشاي والتنفس بهدوء يحدث فرقًا كبيرًا.
تحويل الروتين إلى طقس يومي
يمكن تحويل الروتين إلى طقس مميز. ربما وجبة إفطار خاصة يوم الجمعة، أغنية صباحية، أو عبارة تأكيدية مشتركة: “نحن جاهزون ليوم رائع”. هذه الطقوس تبني ذاكرة عاطفية؛ الأطفال لن يتذكروا الجداول بالتفصيل، لكنهم سيتذكرون شعور الصباح، الضحك، رائحة الخبز، وعناق الوداع.
ملاحظات المعلمين
المعلمين لديهم حس رادع للأطفال القادمين من منازل منظمة وهادئة. يلاحظون ذلك في كيفية بدء الأطفال بالمهام، التعامل مع الانتقالات، والتفاعل مع الأقران. ليسوا مثاليين، لكنهم مستعدون ومستقرون.
أهمية الحضور المدرسي
الأمر لا يتعلق بالذكاء فقط، بل بالعقلية. الروتين الصباحي يساعد الأطفال على دخول الصف وهم يشعرون بالكفاءة والأمان، وهو ما يصنع الفرق بين النجاح والتحدي.
أمثلة واقعية
تعرفت على أم تُدعى بريا، كانت تكره الصباحات، متأخرة دائمًا، تتخطى الإفطار، وتصرخ على التوأم للاستعجال. بمجرد أن بدأت بالاستيقاظ قبل أطفالها بعشر دقائق، وشرب الشاي وتحضير نفسها عقليًا لليوم، بدأت بتعديل روتينهم تدريجيًا، بما في ذلك موسيقى صباحية أو رقصة قصيرة. بعد ثلاثة أشهر، قالت: “لم نعد فقط نخرج في الوقت المحدد، بل نضحك في الصباح.” معلمو أطفالها لاحظوا تركيزهم وثقتهم المتزايدة.
مقاومة الأطفال للروتين
خصوصًا الأطفال الأكبر سنًا، قد يعترضون، يتثاءبون، أو يتجادلون. الحل هو إشراكهم في بناء الروتين، ومنحهم بعض السيطرة على الاختيارات مثل وجبة الإفطار أو قائمة التشغيل الخاصة بهم.
الخلاصة
الروتين الصباحي ليس مجرد تحضير الملابس والطعام، بل يشكل النغمة العاطفية ليوم الطفل، ويؤثر على تعلمه وثقته وفرحه. كل صباح هادئ يشبه توفير مساحة آمنة قبل مواجهة العالم. حتى أسبوع واحد من الصباح البطيء قد يُحدث فرقًا كبيرًا.
الأسئلة الشائعة
- ما الطول المثالي للروتين الصباحي للأطفال؟
عادةً بين 30 إلى 45 دقيقة، كافية للاستعداد بدون استعجال، وقصيرة بما يكفي للحفاظ على تركيز الطفل. - كيف أسهّل الصباح لطفلي الذي يكره الاستيقاظ المبكر؟
ابدأ بوقت نوم مبكر، واستيقاظ هادئ مع ضوء ناعم أو موسيقى، وأدخل عنصر ممتع مثل وجبة الإفطار المفضلة أو روتين عد تنازلي ممتع. - ماذا إذا اضطررنا للعجلة أحيانًا؟
لا بأس، الهدف ليس الكمال. حافظ على هدوء ونبرة لطيفة، فالطفل يتذكر شعوره أكثر من الوقت المحدد. - طفلي يرفض الإفطار، ماذا أفعل؟
قدّم وجبات صغيرة أو جاهزة مثل موزة، عصير مخلوط، أو بار جرانولا. المهم الحصول على شيء مغذي في جسم الطفل. - هل الروتين يحسن درجات المدرسة حقًا؟
بشكل غير مباشر، نعم. الروتين يقلل التوتر، يحسن النوم، ويزيد التركيز، وكل ذلك يدعم التعلم والذاكرة.
المرجع
How Morning Routines Affect a Child’s School Performance :
https://www.georgegervinprepacademy.org/how-morning-routines-affect-a-childs-school-performance/





