الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

هل تسبّب ألعاب الفيديو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)؟

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 لماذا يستطيع الأطفال الذين يعانون من مشكلات في الانتباه التركيز — بل والانغماس التام — في الشاشات؟


قراءة سريعة

قد يكون الأمر محبطًا: لا يستطيع طفلك التركيز في المدرسة، لكنه يستطيع اللعب بألعاب الفيديو لساعات متواصلة. تظهر عليه جميع علامات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) — ما عدا حينما يكون منشغلًا بألعاب الفيديو. وهذا قد يجعلك تتساءل: هل ألعاب الفيديو هي السبب في إصابة الأطفال بـ ADHD؟

الإجابة المختصرة هي: لا. لا توجد أدلة تشير إلى أن التلفاز أو ألعاب الفيديو تسبب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. ولكن، لماذا يستطيع العديد من الأطفال التركيز في ألعاب الفيديو بينما يواجهون صعوبة في الانتباه لأمور أخرى؟ الإجابة تكمن في نوعية الانتباه التي تتطلبها ألعاب الفيديو.

فالألعاب السريعة الإيقاع تحافظ على تركيز الطفل لأن شيئًا ما يحدث باستمرار على الشاشة. في ألعاب الفيديو، يجب على الأطفال الاستجابة فورًا — وإلا سيخسرون. لا وقت للتفكير أو التشتت.

لكن حتى في ألعاب الفيديو، لا يُعد الأطفال منتبهين لفترات طويلة حقًا. بل إن المهام في اللعبة تتغير بسرعة كبيرة لدرجة أن الطفل يحتاج فقط إلى دفعات قصيرة من الانتباه. كما أن التحفيز المستمر والمكافآت الفورية تجعل من السهل على الأطفال الانتباه لهذه الألعاب مقارنة بالمواقف العادية التي تتطلب جهدًا أكبر للحصول على المكافآت.

قضاء الأطفال لوقت طويل في ألعاب الفيديو قد يكون ضارًا، لكن ليس لأنها تُسبّب ADHD. المشكلة الحقيقية مع الإفراط في استخدام الشاشات هي أنها تستهلك الوقت الذي يمكن أن يُقضى في أمور أخرى. الأهم هو التأكد من أن طفلك يقضي وقتًا كافيًا في التفاعل مع العائلة والأصدقاء، والنجاح في المدرسة، والاستمتاع بأنشطة لا تعتمد على الشاشات.

 

نسمع هذا كثيرًا من الآباء المحبطين: لماذا يستطيع طفلي، الذي يجد من الصعب جدًا الجلوس في مكانه والتركيز في الحصة الدراسية، أن يجلس أمام الشاشة مندمجًا لساعات؟ تنطبق عليه كل معايير تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه — ما عدا عندما يلعب ألعاب الفيديو. وعندما تطلب منه التوقف والذهاب إلى العشاء، استعد لمواجهة مقاومة كبيرة.

رؤية هذا التناقض في السلوكيات يدفع الآباء للتساؤل:

  • هل تُسبب ألعاب الفيديو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
  • هل تزيد من حدّته؟
  • أم أن التركيز الشديد الذي يُبديه الطفل أثناء اللعب يعني أنه لا يعاني من ADHD أصلًا؟

فلنتناول هذه الأسئلة واحدًا تلو الآخر.

 

الجاذبية الخاصة لألعاب الفيديو

أولًا، تؤكد الدكتورة ناتالي ويدر، طبيبة نفسية للأطفال والمراهقين في معهد “تشايلد مايند” والتي عالجت العديد من الحالات المشخصين بـ ADHD، قائلة:
لا يوجد أي دليل على الإطلاق يشير إلى أن التلفاز أو ألعاب الفيديو تُسبب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

ومع ذلك، فإن البرامج التلفزيونية والألعاب السريعة الإيقاع تجذب الأطفال المشخّصين بـ ADHD بشكل خاص. تقول الدكتورة ويدر:
“إذا فكّرت في برنامج مثل سبونج بوب أو لعبة فيديو، لن تجد ثانية واحدة تمرّ بدون أن يحدث شيء على الشاشة. وإذا كنت تلعب، عليك أن تستجيب فورًا، وإلا ستخسر. لا يوجد وقت للتفكير. ولهذا، فإن الأطفال المشخّصين بـ ADHD ينجذبون كثيرًا إلى هذا النوع — لأنه لا يترك فجوات زمنية يمكن لعقولهم خلالها أن تتشتت بأفكار أخرى”.

 

دفعات قصيرة من الانتباه

ألعاب الفيديو قادرة على جذب انتباه الأطفال الذين يجدون صعوبة كبيرة في التركيز في حياتهم اليومية. لكن، ما يحدث عندما ينغمس الأطفال في اللعب لا يُشبه “الانتباه المستمر” الذي تتطلبه المهام الأخرى.

يُوضح الدكتور رون ستاينغارد، طبيب نفسي متمرس للأطفال والمراهقين:
“النشاط المستمر لا يعني الانتباه المستمر. فالمهام تتغير بسرعة، والانتباه المطلوب هو عبارة عن دفعات قصيرة فقط. كما أن هذه الألعاب تغير تركيز اللاعب باستمرار، وتوفر مكافآت فورية”.

من المنطقي إذًا أن يجد الأطفال المشخّصين بـ ADHD الألعاب أكثر جذبًا من غيرهم. يقول الدكتور ستاينغارد:
“لا شيء آخر في الحياة يتحرك بهذه السرعة أو يكافئك بهذه الفورية”.





اليقظة المفرطة

يشير الدكتور ستاينغارد إلى أن إحدى النظريات التي طرحها علماء الأحياء التطوريون لشرح وجود ADHD في التركيبة الجينية البشرية، هي أن هذه الصفات كانت تمنح القبائل القديمة ميزة، وذلك بوجود أفراد يراقبون محيط المعسكر بحذر ويقظة، منتبهين لأي خطر قادم من أي اتجاه.

وبطريقة مشابهة، “فألعاب الفيديو تُرسل محفزات إلى نقاط بصرية متعددة، وللعب بشكل جيد، يجب أن تكون قادرًا على الانتباه لها جميعًا في الوقت ذاته. إذا كنت بطيئًا أو تتبع نمطًا منهجيًا، فلن تنجح”.

وعن سؤال: هل تُعد هذه الألعاب إدمانية بالنسبة للأطفال المشخّصين بـ ADHD، باعتبار أنها تُحفز إفراز الدوبامين؟
يجيب الدكتور ستاينغارد: “فقط بنفس الطريقة التي يُعتبر فيها أي شيء ممتع إدمانيًا. كل ما يجعلك تشعر بالمتعة يُفعّل نفس المسارات العصبية”.

لكن بعض الباحثين أشاروا إلى أن التحفيز المستمر والمكافآت الفورية في الألعاب ترفع “معيار” الانتباه، ما يجعل من الصعب على الأطفال أن يركزوا في المواقف الأقل تحفيزًا، والتي تتطلب جهدًا أكبر للحصول على مكافآت.

 

مدة اللعب بالألعاب الإلكترونية

أجرت جامعة ولاية أيوا دراسة شملت نحو 3,000 طفل ومراهق من سنغافورة على مدار ثلاث سنوات. وجدت الدراسة أن الأطفال الذين قضوا وقتًا أطول في ألعاب الفيديو كانوا أكثر اندفاعًا، ويعانون من مشكلات أكبر في الانتباه. وفسّر الباحثون النتائج على أنها تشير إلى أن ألعاب الفيديو قد “تفاقم المشكلات الانتباهية القائمة بالفعل لدى الأطفال”.

لكن نتائج الدراسة لا تقدم دليلًا على أن الألعاب تُسبب أو تُفاقم المشكلة — بل إنها فقط تُظهر أن الأطفال الذين يلعبون لفترات أطول يعانون من أعراض ADHD أشد. يوضح الدكتور ستاينغارد: “لا يوجد دليل على وجود علاقة سببية هنا. فقد يكون الأطفال الذين لديهم أعراض ADHD أكثر شدة هم ببساطة أكثر انجذابًا لألعاب الفيديو”.

 

ما الذي يفوته اللاعبون؟

هذا لا يعني أن قضاء الأطفال وقتًا غير محدود في اللعب بألعاب الفيديو ليس ضارًا، لكنه نوع مختلف من الضرر. فالمشكلة أن كل هذا الوقت أمام الشاشة يعني وقتًا ضائعًا كان من الممكن أن يُقضى في أنشطة أكثر فائدة لنمو الطفل، مثل التفاعل مع العائلة والأصدقاء.

ونظرًا لأن المهارات الاجتماعية تُعد تحديًا للعديد من الأطفال المشخّصين بـ ADHD، الذين يجدون صعوبة في الانتباه وضبط اندفاعهم، فإن الخسارة قد تكون كبيرة. يقول الدكتور ستاينغارد:
“ليس من الصحي اجتماعيًا أن تقضي وقتًا طويلًا وحدك تلعب بالألعاب، بدلًا من قضاء هذا الوقت مع الآخرين”.
ويضيف أن هذه ليست مشكلة تخص المشخّصين بـ ADHD فقط، بل هي قضية عامة.
“لا ينبغي لأي طفل أن يقضي وقتًا غير محدود أمام الشاشة على حساب اللعب مع أطفال آخرين”.

توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بساعة واحدة يوميًا من وقت الشاشات (بما في ذلك التلفاز وألعاب الفيديو والهواتف) للأطفال في المرحلة الابتدائية، وساعتين للأطفال في المرحلة الثانوية. ويُضيف الباحث جنتيلي أن متوسط الوقت الذي يقضيه الأطفال الأمريكيون أمام الشاشات حاليًا يتجاوز ست ساعات يوميًا.

المرجع :

 

Do Video Games Cause ADHD? 

https://childmind.org/article/do-video-games-cause-adhd/