الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

٩ خرافات عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه تُغذي الوصمة الاجتماعية

 

ترجمة: أ. رزان بن دهر

 

على الرغم من التقدم العلمي الكبير والاكتشافات العصبية المؤكدة، لا يزال العديد من الناس يتبنون مفاهيم خاطئة حول اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مما يؤدي إلى استمرار سوء الفهم، والوصمة الاجتماعية لدى الأشخاص وشعورهم بالخجل، في ما يلي كشف علمي للحقيقة حول هذا الاضطراب العصبي.

الخرافة الأولى: اضطراب ADHD ليس حالة طبية حقيقية

لقد تم الاعتراف باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه كتشخيص طبي معتمد من قبل أبرز الهيئات الطبية والنفسية والتعليمية، مثل المعاهد الوطنية للصحة (NIH) ووزارة التعليم الأمريكية، كما أدرجته الجمعية الأمريكية للطب النفسي ضمن دليلها التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، وهو المرجع الرسمي الذي يستند إليه الأطباء النفسيون والأخصائيون لتشخيص الحالات النفسية.

ADHD هو اضطراب ذو أساس بيولوجي، تشير الدراسات إلى أنه ناتج عن خلل في توازن النواقل العصبية (المواد الكيميائية التي تنقل الإشارات داخل الدماغ) وتتمثل أعراضه الرئيسية في ضعف الانتباه، والاندفاعية، وأحيانًا فرط الحركة.

ومع ذلك، ومثل كثير من الاضطرابات النفسية الأخرى، لا يزال ADHD يفتقر إلى “الشرعية البيولوجية” الكاملة؛ أي أن العلماء لم يتوصلوا بعد إلى فهم دقيق للأسباب البيولوجية أو التغيرات المرضية المحددة التي تقف وراءه، ففي معظم فروع الطب، تُعرَف الأمراض من خلال آلياتها البيولوجية الواضحة، لكن الطب النفسي يشكل استثناءً من هذه القاعدة.

كما أن هذا الاضطراب لا يمتلك اختبارات موضوعية لتشخيصه، مثل فحوصات الدم أو التصوير الدماغي، بل يعتمد الأطباء على تقييم الأعراض السلوكية ومقاييس التشخيص المعيارية لتحديد وجوده.

رغم أن العلماء يعملون بجد لإيجاد أساس بيولوجي واختبارات تشخيصية موضوعية لاضطراب ADHD، إلا أن هناك طرقًا أخرى تعزز الثقة في تشخيص هذا الاضطراب في الوقت الحالي.

أول هذه الطرق ما يُعرف في الأوساط العلمية بـ”الثبات التشخيصي” (reliability)، ويعني قدرة اثنين من المختصين على تقييم نفس الطفل بشكل مستقل والوصول إلى نفس التشخيص.

تشخيص ADHD يتمتع بدرجة عالية من الثبات، في الواقع، يُعد من أكثر التشخيصات النفسية ثباتًا، خاصة في مجال الطب النفسي للأطفال، وتُقارن موثوقية تشخيص ADHD بموثوقية تشخيص الالتهاب الرئوي باستخدام الأشعة السينية للصدر (وهو مثال على اختبار تشخيصي موضوعي) وهذا يُعتبر أمرًا مبهرًا. (بحسب دراسات التجارب الميدانية لدليل DSM)

الخرافة الثانية: ADHD أنشأ من قبل شركات الأدوية

ADHD ليس ظاهرة حديثة، ولا هو ظاهرة مقتصرة على الدول الغربية، ولم يتم أنشائه استجابةً لضغوط من شركات الأدوية، ولا نتيجة لمتطلبات الحياة الدراسية الحديثة أو الهوس بالنجاح الأكاديمي.

صحيح أن هذه العوامل تستحق النقاش وقد تُسهم أحيانًا في الإفراط في التشخيص، لكنها لا تفسر وجود ADHD بشكل كامل.

إذا عدنا إلى الأبحاث الطبية قبل قرن من الزمن، سنجد أوصافًا لأطفال يشبهون تمامًا من نشخّصهم اليوم بـ ADHD — أطفال مفرطو الحركة، مندفعون، غير منتبهين — وهي الأعراض الأساسية التي تُستخدم حاليًا في تشخيص هذا الاضطراب، بل إن بعض أقدم التقارير التي تصف هذه الأعراض تعود إلى القرن الثامن عشر (1700م).

في القرن التاسع عشر، قام الطبيب الألماني هاينريش هوفمان بكتابة قصائد مصحوبة برسوم توضيحية لوصف الأطفال الذين كان يراهم في عيادته، من أبرز الأمثلة على ذلك قصيدة “فيليب كثير الحركة” (Fidgety Phil)، التي يقول فيها: “دعوني أرى إن كان فيليب قادرًا على أن يكون فتى مهذبًا، دعوني أرى إن كان يستطيع الجلوس بهدوء لمرة واحدة على المائدة، لكن فيليب كثير الحركة لا يستطيع الجلوس ساكنًا، يتحرك، يضحك، ثم، يتأرجح إلى الخلف وإلى الأمام ويرفع كرسيه عن الأرض.”

من الواضح أن الدكتور هوفمان كان يصف طفلًا مفرط النشاط ومندفعًا — وهي نفس السمات السلوكية التي نصنّفها اليوم ضمن أعراض اضطراب ADHD، كما وصف طفلًا آخر يُدعى “جوني شارد الذهن” (Johnny Look-in-the-Air)، وهو فتى دائم الشرود، رأسه في الغيوم وعقله دائم التجوال.

ADHD ليس ظاهرة غربية نحن نعرف هذا من خلال الدراسات الوبائية التي تقيس انتشار الاضطراب في المجتمعات حول العالم، حيث يقوم الباحثون بتقييم آلاف الأطفال في مختلف البلدان وتحديد معدلات انتشار ADHD.

وقد أُجريت مثل هذه الدراسات في قارة أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وآسيا، وأمريكا الشمالية، وأوروبا، وأظهرت أن اضطراب ADHD موجود فعليًا على مستوى العالم.

الأهم من ذلك أن معدلات الانتشار حول العالم متقاربة جدًا، وتتراوح عادةً بين 5% و6% من كل مجتمع، ولو كان ADHD ظاهرة غربية فقط، لكانت معدلاته مرتفعة بشكل غير متناسب في أمريكا الشمالية وأوروبا، ومنخفضة جدًا في باقي القارات، ولكن البيانات لا تدعم هذه الفرضية، بل تؤكد أن ADHD اضطراب عالمي بالفعل.

الخرافة الثالثة: اضطراب ADHD ناتج عن تربية سيئة

المشكلة نابعة من كيمياء الدماغ، وليست نتيجة لغياب الانضباط، فعندما يقاطع طفل مشخص بـ ADHD الحديث، أو ينهض من مقعده في الصف، فليس السبب أنه لم يتعلم أن هذه السلوكيات غير لائقة، بل لأنه لا يستطيع التحكم في اندفاعاته.

في الواقع، الأساليب التربوية المتشددة — التي قد تتضمن معاقبة الطفل على سلوكيات خارجة عن إرادته — يمكن أن تزيد من حدة أعراض ADHD بدلاً من تقليلها، وغالبًا ما تكون التدخلات المهنية، مثل العلاج الدوائي، والعلاج النفسي، وتعديل السلوك، ضرورية لتحسين الحالة.

الخرافة الرابعة: ADHD يشخص لدى الذكور فقط

نسبة انتشار ADHD لدى الإناث بنفس قدر الذكور، ولا يوجد فرق بين الجنسين في الأعراض الناتجة عن الاضطراب.
لكن نظرًا لانتشار هذه الخرافة، يتم تشخيص الذكور أكثر من الإناث، مما يؤدي إلى تجاهل الكثير من الحالات لدى الإناث.

الخرافة الخامسة: الطفل الذي يستطيع لعب ألعاب الفيديو لساعات لا يمكن أن يكون لديه ADHD

من الشائع جدًا أن يكون الطفل المشخص بـ ADHD مشتتًا جدًا في بعض المواقف، بينما يبدو مركّزًا للغاية في مواقف أخرى.

ما السبب في ذلك؟ ADHD لا يعني غياب الانتباه، بل يعني عدم انتظام الانتباه، الأنشطة أو البيئات ذات التحفيز العالي — مثل ألعاب الفيديو — يمكن أن تؤدي إلى فرط التركيز، أما في المواقف العادية أو منخفضة التحفيز، فيظهر التشتت بشكل أكثر وضوحًا.

الخرافة السادسة: الأطفال المشخصين بـ ADHD يتغلبون على الاضطراب مع مرور الوقت

أكثر من 70% من الأطفال الذين تم تشخيصهم بـ ADHD يستمرون في المعاناة خلال مرحلة المراهقة، وما يصل إلى 50% منهم يستمر معهم الاضطراب حتى مرحلة البلوغ.

ورغم أن التقديرات تشير إلى أن حوالي 6% من البالغين يعانون من ADHD، إلا أن الغالبية العظمى منهم لم تُشخّص حالاتهم، وفقط واحد من كل أربعة يسعى للحصول على العلاج.

لكن من دون تدخل أو دعم، يكون البالغين المشخصين بـ ADHD معرّضين بشكل كبير لاضطرابات المزاج، والقلق، وتعاطي المخدرات أو الكحول، كما يعانون غالبًا من مشاكل مهنية، وقانونية، ومالية، وصعوبات في العلاقات الاجتماعية.

الخرافة السابعة: الأطفال الذين يتناولون أدوية ADHD أكثر عرضة لتعاطي المخدرات في سن المراهقة

في الواقع، العكس هو الصحيح عدم علاج ADHD يزيد من خطر لجوء الشخص إلى تعاطي المخدرات في حين أن العلاج المناسب يقلل هذا الخطر.

صحيح أن الأطفال المشخصين بـ ADHD أكثر عرضة من أقرانهم غير المشخصين لتعاطي المواد لاحقًا، لكن الأدوية ليست السبب في ذلك، نحن نعلم هذا من خلال دراسات طويلة المدى قارنت بين أطفال مشخصين بـ ADHD يتلقون العلاج الدوائي وأطفال مشخصين لا يتلقون أي دواء.

وقد أظهرت هذه الدراسات أنه لا يوجد أي ارتفاع في خطر تعاطي المواد لدى من يتناولون الأدوية مقارنة بمن لا يتناولونها، ما دامت الأدوية تُستخدم بشكل مناسب وتحت إشراف طبي.

والأهم من ذلك أن الأدوية المستخدمة في علاج ADHD قد ثبتت سلامتها وفعاليتها على مدار أكثر من 50 عامًا من الاستخدام، صحيح أن هذه الأدوية لا تعالج ADHD بشكل نهائي، لكنها فعالة للغاية في التخفيف من أعراض الاضطراب، ولهذا تُعتبر الخيار العلاجي الأول.

ما يقود هذا المفهوم الخاطئ هو خلط شائع جدًا بين الارتباط والسببية، الخطر المتعلق بتعاطي المواد لا يأتي من الدواء، بل من الاضطراب نفسه.

الخرافة الثامنة: الأطفال الذين يحصلون على تسهيلات دراسية بسبب ADHD يحصلون على ميزة غير عادلة

في الواقع، الأطفال المشخصين بـ ADHD يعانون من نقص في المساواة والسياسات المدرسية، والتسهيلات، والقوانين التعليمية الخاصة بالإعاقة تهدف إلى تقليص هذا التفاوت بقدر الإمكان.

ADHD هو تشخيص حقيقي وتُظهر الدراسات الطولية بوضوح أن تشخيص ADHD يرتبط بزيادة خطر عدد كبير من النتائج السلبية، مثل: عدم إكمال التعليم الثانوي، الانسحاب من الجامعة، وغير ذلك من العواقب السلبية.

قانون التعليم للأفراد ذوي الإعاقات (IDEA) الفيدرالي في الولايات المتحدة يهدف إلى التقليل من هذه المخاطر من خلال إلزام المدارس العامة بتوفير الدعم والتسهيلات للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بما في ذلك الأطفال المشخصين بـ ADHD، أما التسهيلات الدراسية، مثل منح وقت إضافي في الامتحانات، فهي لا تمنح أفضلية، بل تهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص، حتى يتمكن الأطفال المشخصين بـ ADHD من التعلم والنجاح بمستوى مماثل لأقرانهم.

الخرافة التاسعة: الأشخاص المشخصين بـ ADHD أغبياء أو كسالى — ولن يحققوا أي إنجاز في حياتهم

هذا الاعتقاد خاطئ تمامًا، كثير من الشخصيات الشهيرة والناجحة عبر التاريخ يُعتقد أنهم كانوا مشخصين بـ ADHD، أما في عالم الأعمال المعاصر، فهناك عدد من كبار المديرين التنفيذيين المشخصين بـ ADHD.

المرجع:

9 ADHD Myths That Perpetuate Stigma

https://www.additudemag.com/adhd-myths-and-facts-learn-the-truth-about-attention-deficit /