ترجمة: أ. رزان بن دهر
لحظة الاستيعاب، هي لحظة وعي مفاجئة—اكتشاف يغيّر طريقة فهمنا للأمور—وغالبًا ما تحدث بعد أن نغيّر زاويتنا في النظر إلى مشكلة ما.
كمدرّبة متخصصة في ADHD، فإن هدفي هو مساعدة الأشخاص على رؤية اضطرابهم بطريقة مختلفة، وعندما يصل إليّ معظمهم، أعلم أنهم لم يمروا بعد بهذه اللحظة الحاسمة، لأن قصصهم متشابهة بشكل لافت: لقد جرّبوا كل شيء دون فائدة، ويشعرون أنهم يغرقون في سيل لا ينتهي من الاستراتيجيات التي من المفترض أن تساعدهم على إدارة حياتهم مع ADHD.
وهنا تمامًا يكون دوري: مساعدتهم على الوصول إلى لحظة الإدراك الحقيقية—أنهم كانوا ينظرون إلى جذور تحدياتهم مع ADHD، مثل التسويف، ضعف الدافع، تشتت الأولويات، وانخفاض الإنتاجية، من منظور غير دقيق.
فيما يلي أبرز الرؤى التي شاركتها مع عملائي على مرّ السنوات، والتي ساعدتهم على فصل أعراض اضطرابهم عن هويتهم، والمضي قدمًا نحو تحقيق أهدافهم.
١. دماغ الشخص المشخص بـ ADHD يميل إلى الهروب.
كل فكرة نفكر بها تتطلب استخدام الوظائف التنفيذية في الدماغ وهي مجموعة من العمليات العقلية التي تمكّننا من التخطيط، والتنظيم، وتذكّر المعلومات، واتخاذ خطوات نحو تحقيق الأهداف، ولكن بالنسبة للأشخاص المشخصين بـ ADHD، فإن التفكير بحد ذاته مجهود كبير، لأن هذه الوظائف تكون غالبًا ضعيفة أو معطلة ولهذا، فإن استجابة الدماغ الطبيعية في هذه الحالة تكون الهروب، عندما يصبح التفكير مرهقًا جدًا—حتى لو كان هذا التفكير متعلقًا بهدف يرغب الشخص حقًا في تحقيقه.
أقضي الكثير من الوقت في مساعدة عملائي على إدراك أن هذه النزعة (الهروب من التفكير المجهد) هي الجذر الأساسي لمعظم التحديات المرتبطة باضطراب ADHD، إدارة هذا الاضطراب لا تتعلق بفرض الانضباط بل ترتكز أساسًا على جعل عملية التفكير أسهل، مما يقلل من الميل للهروب ويُسهل السلوك الموجّه نحو الأهداف.
٢. دماغ الشخص المشخص بـ ADHD عاطفي وتفاعلي
كما أن التفكير مرهق بسبب ضعف الوظائف التنفيذية، فإن التنظيم الذاتي أيضًا يُعد تحديًا كبيرًا، سوء التنظيم الذاتي يجعل من الصعب التحكم في الانفعالات وكبح الاندفاعات، خصوصًا عندما تكون مدفوعة بالمشاعر، وضعف التنظيم العاطفي يجعل من الصعب تحمّل الانزعاج المؤقت من أجل الوصول لهدف مرغوب، دماغ الشخص المشخص بـ ADHD يريد أن يشعر بالراحة الآن، وليس لاحقًا.
٣. الغموض يُغذّي التسويف.
يميل دماغ الشخص المشخص بـ ADHD إلى التسويف عندما يكون في المهمة شيء غير سار أو يسبب التوتر، وغالبًا، يكون هذا “الشيء غير السار” نابعًا من الغموض المحيط بالمهمة، قد تكون غير واضحة تمامًا بالنسبة لك، أو ربما تفهم النتيجة النهائية لكن تجد صعوبة في تصور الخطوات اللازمة للوصول إليها، في كلتا الحالتين، يصبح التجنّب أمرًا منطقيًا جدًا عندما تكون المهمة غامضة أو غير مريحة.
بغض النظر عن مصدر تسويفك، من المفيد أن تعترف بأنك تجد المهمة صعبة — حتى لو كانت بسيطة في نظر الآخرين، بالنسبة لدماغ ADHD، الذي يعاني في التفكير المركّز والسلوك الموجّه نحو الهدف، فالأمر ليس بسيطًا أبدًا، الاعتراف بأن المهمة صعبة يزيد من الوعي الذاتي، ويساعدك على التفكير في حلول عملية: هل المهمة صعبة لأنها غير واضحة؟ هل تفتقر إلى المهارات أو الأدوات اللازمة لتنفيذها؟
٤. لا وجود لشيء اسمه “نقص الدافعية”
مثل كثيرين غيرك ممن يعانون من ADHD، قد تكون سريع في وصف نفسك بالكسل أو انعدام الدافعية عندما لا تُنجز مهمة ما، و لكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، لن أنسى أبدًا محادثة أجريتها منذ زمن مع الدكتور روبرتو أوليفارديـا، حين قال إن كل ما نقوم به في حياتنا، حتى حين نلجأ إلى التجنّب، ينبع في الأساس من دافع داخلي.
بعض العملاء، وهم مثقلون بالشعور بالخجل، يقولون لي: “أنا بلا دافع، أجلس طوال اليوم على الأريكة وأشاهد التلفاز.” فأعيد صياغة الأمر لهم، وأقول: “بل لديك دافع — لكن لمشاهدة نتفليكس.” وأشرح لهم أيضًا العلاقة بين الوضوح والدافعية: عندما نفتقر إلى وضوح بشأن ما علينا فعله، فإن الدافعية للقيام بتلك المهمة يتضاءل تلقائيًا.
وإليك طريقة أخرى للتفكير في الأمر: دماغك، الذي يعاني من نقص في الدوبامين، لا يستطيع أن يجد المتعة في مهمة غير محببة (حتى الملل يُشعره بانزعاج جسدي حقيقي)، ولذلك فهو متحفز بشدة لتجنّب الألم والبحث عن المتعة في مكان آخر.
الاعتراف بأن “انعدام الدافعيج” ليس وصفًا دقيقًا سيساعدك في التوقف عن جلد الذات، كما قالت لورا ماكنيفن، وهي مدرّبة ADHD أيضًا: “لا يمكنك معالجة ADHD من خلال عدسة قائمة على الخجل أو اللوم.”
٥. أدوات الإنتاجية الشائعة قد تُعيق دماغ الشخص المشخص بـ ADHD.
الأنظمة والأدوات التي تبدو فعّالة ومريحة للآخرين، قد تكون عديمة الفائدة تمامًا لدماغك المشخص بـ ADHD، وما هو أسوأ من ذلك، أنك قد لا تدرك أصلًا أنك وقعت ضحية لوهم “السهولة والفعالية”.
عملت مؤخرًا مع عميل كانت لديه مشكلات في الإنتاجية في عمله، ولم يكن يعلم أن السبب الرئيسي في ذلك هو أسلوب شركته في التواصل: إرسال معلومات وتقارير معقدة عبر البريد الإلكتروني، في كل مرة كان يتلقى فيها بريدًا إلكترونيًا، كان عليه أن يعيد تركيز ذهنه على الموضوع، ويفكر في المعلومات الجديدة، ثم يطوّر ردًا — وهي عملية مرهقة تستنزف الذاكرة العاملة، البريد الإلكتروني قد يكون مريحًا للآخرين، لذا لم يخطر له يومًا أن يشكك في فعاليته، لكن عندما بدأ يطرح هذا السؤال، اكتشف أنه ينجز عمله بكفاءة أكبر عندما يتحدث مباشرة مع زملائه بدلًا من الاعتماد على الرسائل الإلكترونية في المشاريع المعقدة.
فكّر جيدًا في الأدوات والأنظمة التي تعتمدها في حياتك اليومية: هل تواصل استخدام طرق غير فعالة فقط لأنها تبدو ناجحة مع الآخرين؟ تخلّى عم الأمور التي لا تساعدك، راقب الأدوات والأساليب التي تميل إليها بطبيعتك — فقد تكون أكثر ملاءمة لدماغك مما تظن.
٦. “الاختيار الطبيعي للمهام” يفسّر لماذا تنهار خطط ترتيب الأولويات.
كم مرة قمت بتنظيم قائمة المهام حسب الأهمية، ثم انتهى بك الأمر بالتركيز على المهام الأقل أولوية وتجاهل الأهم — ثم بدأت بلوم نفسك؟ أنا أسمي هذه الظاهرة “الاختيار الطبيعي للمهام” — وهي عملية “تصفية طبيعي” تمر بها المهام، وتُعد من السمات الشائعة لدى الأشخاص المشخصين بـ ADHD.
أنت لا تختار أداء المهام الأقل أهمية أولًا لأنك كسول، بل لأن الظروف والعوامل المحيطة تجعل تنفيذها أسهل، عندما تتوفر عناصر مثل: الوضوح، الوقت، والمكان المناسب، فإنها تخلق بيئة مهيئة تساعد على الإنجاز، أما المهمة الأكثر أهمية، فقد يتم تجنّبها أو تجاوزها — رغم أهميتها — لأن أحد هذه العناصر مفقود.
تخيّل أن عليك إعداد عرض تقديمي مهم، رغم أنك في مكان مناسب ولديك الوقت والأدوات، إلا أنك تفتقر إلى الوضوح: لا تعرف من أين تبدأ أو كيف تنظّم الأفكار، وبدلًا من التركيز على العرض، تجد نفسك تردّ على رسائل البريد الإلكتروني — وهي مهمة ذات أولوية منخفضة في قائمتك، ما يدفعك إليها ليس الأهمية، بل توفر جميع العوامل التي تسهّل تنفيذها، ومع ذلك، يظل الصوت الداخلي يذكّرك بأن العرض هو ما ينبغي عليك فعله.
في المرات القادمة التي تحاول فيها ترتيب أولوياتك، تذكّري مبدأ “الاختيار الطبيعي للمهام” سيساعدك هذا الفهم في التخفيف من جلد الذات، ويجعلك أكثر وعيًا بالعوامل التي تحتاج توفّرها لتتمكن من إنجاز المهام المهمة فعلًا.
٧. النوع الصحيح من التحفيز هو ما يساعد على النوم.
يستغرق معظم الناس حوالي 15 دقيقة حتى يخلدوا للنوم، أما الأشخاص المشخصين بـ ADHD، فيستغرق الأمر وقتًا أطول بكثير، لماذا؟ لأن الانتظار حتى الدخول في حالة اللاوعي يُعد أمرًا مملًا، بل مزعجًا أحيانًا، كثير من عملائي يعترفون بأنهم يفعلون كل ما في وسعهم لتجنّب الذهاب إلى السرير، وإذا وجدوا أنفسهم في السرير، فإنهم يسعون لتحفيز عقولهم بشكل أكبر، مما يؤدي إلى تأخير النوم أكثر، ويفعلون ذلك وهم يعلمون تمامًا أنهم سيستيقظون في اليوم التالي مرهقين..
الحل يكمن في إيجاد نشاط يُحفّز دماغك الذي يبحث عن المكافأة، لكن دون أن يكون محفزًا لدرجة تمنعه من الاستسلام للنوم، الأمر يتطلب بعض المراقبة الذاتية والتجربة والخطأ حتى تصل إلى التوازن المناسب بين التحفيز والهدوء العقلي، وإذا كنت بحاجة إلى بعض الإلهام، إليك استراتيجيات نجحت مع بعض عملائي:
- اشتري كتاب تلوين — نشاط إبداعي ومهدئ يساعد على الاسترخاء.
- اخفض الإضاءة وقوم ببعض التنظيف أو الترتيب البسيط.
- استمع إلى حلقة بودكاست، لكن اخفض الصوت قليلًا حتى تضطرّ إلى التركيز لسماعه — مما يجهد الدماغ بشكل بسيط ويُساعده على الاسترخاء لاحقًا.
٨. تكرار الماضي لن يغيّر المستقبل.
الشعور المستمر بالذنب والخجل يُعد من التجارب المؤلمة الشائعة لدى كثير من الأشخاص المشخصين بـ ADHD، خاصة أولئك الذين لم يحصلوا على تفسير لتحدياتهم إلا في وقت متأخر من حياتهم، صحيح أن هذه التجارب الماضية تحمل بعض المعلومات المفيدة، لكن الانشغال المفرط بالأخطاء القديمة والذكريات المؤلمة يعيق التقدّم.
البعض قد يستفيد من العلاج النفسي لتعلم كيفية التعامل مع المشاعر القوية، لكن أيضًا، يمكن أن يكون الذهن الواعي، التأمل، التعاطف الذاتي أدوات قوية لتنظيم المشاعر — حتى لدى من لديهم دماغ عاطفي، الذهن الواعي يقلل من ردود الفعل العاطفية، والتعاطف الذاتي يفتح مجال للمسامحة والمضي قدمًا.
المرجع:
8 Illuminating Insights Into ADHD: Making Sense of Your Brain
https://www.additudemag.com/understanding-adhd-insights-challenges-solutions/





